arabic.china.org.cn | 09. 08. 2023

مقالة خاصة: تطعيم النحاس بالفضة... حرفة يدوية تراثية مهددة بالاندثار في سوريا

arabic.china.org.cn / 08:39:01 2023-08-09

دمشق 8 أغسطس 2023 (شينخوا) يجلس الحرفي السوري الأربعيني يوسف الحامض ساعات طويلة في ورشته الصغيرة في أحد أحياء دمشق القديمة، وهو يمسك بيده مطرقة صغيرة وبيده الأخرى سلكا من الفضة يقوم بتنزيله على قطعة نحاسية ليشكل منها بعد أيام من العمل المتواصل تحفة فنية رائعة.

ويجد الرجل البالغ من العمر 46 عاما متعة في أداء عمله "الصعب" لكنها ممزوجة بالقلق على مصير مهنته اليدوية المهددة بالاندثار لقلة العاملين بها وغياب السائح الأجنبي الذي يشتري هذه القطع التراثية التقليدية، إضافة الى العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي حدت من تصدير منتجاته إلى خارج البلاد.

وتركت الأزمة التي اندلعت في سوريا في مارس 2011، إضافة للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، آثارا سلبية على العديد من القطاعات الحيوية في البلاد ومن بينها الصناعات والحرف التراثية التقليدية، ما جعلها مهددة بالانقراض.

ويعد يوسف الحامض شيخ كار في هذه المهنة التي ورثها عن أبيه وجده، باعتباره أحد آخر ثلاثة حرفيين مازالوا يعملون بها.

ويتمسك الحرفي السوري بمهنته ويعتز بها لكنه يخشى "أن تموت" في ظل ما تواجهه من صعوبات.

وقال الحامض لوكالة أنباء ((شينخوا)) "أدق ناقوس الخطر بشأن مصير هذه المهنة، فأنا أستطيع أن أعمل لمدة 10 سنوات قادمة أخرى، ولكن ربما لن أتمكن من العمل أكثر من ذلك، لهذا أخشى على هذه الحرفة أن تموت".

وأضاف "بدأت العمل في حرفة تنزيل الفضة على النحاس، منذ أن كان عمري 12 سنة، وكنت أراقب جدي وهو يعمل في هذه الحرفة التراثية العريقة والقديمة".

وأشار إلى أنه استطاع بعد سنوات من العمل أن يطور تلك الحرفة ويدخل عليها بعض اللمسات الفنية والإبداعية الخاصة لتصبح تواكب التطور الحاصل حاليا.

وتابع يقول "هذه الحرفة جميلة وفيها فن وإبداع وتحتاج إلى صبر وطول بال"، لافتا إلى أن أي شخص لا يمكن أن يبدع في هذه الحرفة إذا لم يحبها.

وتحدث الحامض عن الصعوبات التي تواجه هذه الحرفة بعد نشوب الأزمة في سوريا، مبينا أن هذه المهنة كانت قبل ذلك مزدهرة لتوفر عناصر بقائها.

وقال "قبل الحرب في سوريا، كانت الأمور سهلة، ولا توجد أي صعوبات تواجهنا، فالتسويق جيد والمواد الأولية الفضة والنحاس متوفرة واليد العاملة موجودة".

واستدرك قائلا "بعد الحرب باتت هناك صعوبات وتحديات تواجهنا وأهمها التسويق وقلة اليد العاملة وغياب السائح الأجنبي عن البلد وغلاء المواد الأولية وغيرها".

ووصف الوضع قبل الأزمة بأنه كان أحسن بكثير من الآن، حيث كانت السوق العربية والأوروبية مفتوحة، ولم يفكر الحرفيون بمغادرة سوريا، وكانت الأعمال اليدوية الدمشقية مطلوبة من قبل السائحين العرب والأجانب.

وقبل الأزمة أيضا كان هناك عدد كبير من الورش التي تعمل في تنزيل الفضة على النحاس بريف دمشق الشرقي، واليوم لم يعد هناك سوى ثلاثة أشخاص يعملون بها على مستوى سوريا، بحسب الحامض.

وأشار إلى أن 90 بالمائة من الورش التي كانت تعمل توقفت بسبب الأزمة، وهذا أثر على الإنتاج وتراجعت المهنة كثيرا بسبب قلة من يعمل بها.

وما يزيد الطين بلة كما يقال أمام هذه الحرفة التراثية هو العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة على سوريا والتي ساهمت في تفاقم التحديات التي يواجهها يوسف الحامض، حيث تقف ورشته الآن معزولة نوعا ما، ومنتجاتها غير قادرة على الوصول إلى جمهوره خارج سوريا.

كما ساهمت عوائق الشحن وارتفاع تكاليف الشحن إلى تقييد تدفق عمله إلى خارج حدود سوريا.

وقال الحرفي السوري "بالطبع، أثرت العقوبات الأمريكية على هذا العمل من حيث الصادرات والسياحة حيث كان الكثير من الناس يأتون من الخارج ويشترون، أما الآن لا يستطيع الكثير من الناس القدوم إلى سوريا".

وتابع "كما أصبحت قضية الشحن أكثر تعقيدا، فهناك العديد من الدول لا يمكننا شحن منتجاتنا إليها، كما أن نقل البضائع عبر الجو بات باهظ الثمن".

ورغم ذلك، يتمسك يوسف الحامض بمهنته قائلا "هذه مهنتي ومهنة أجدادي، وأنا ترعرعت عليها وصارت جزءا من كياني وأحبها وأعشقها، ولا أستطيع أن أبدل مهنتي الآن، وأنا مبدع فيها ومتميز بها وهذه المهنة أعيش وأطعم عائلتي منها".

ويزيد عمر هذه المهنة على 600 عام بحسب الحامض الذي أشار إلى أن النحاس كان مستخدما منذ زمن بعيد في البيوت وتحول إلى تحف تصمد في البيوت للزينة.

وشرح الحرفي السوري المراحل السبع التي تمر بها القطعة حتى تنجز، لافتا إلى أن "العمل صعب، ولكن فيه متعة".

وتبدأ المرحلة الأولى من العمل بتشكيل القطعة النحاسية ثم تأتي بعد ذلك عملية الرسم أو النقش يليها الحفر ثم مرحلة السكة وتنزيل السلك الفضي داخلها ثم الدمج قبل مرحلة الريش وهي الحفر فوق الفضة من أجل توضيح ملامح النقشة أو الرسم وبعدها مرحلة التلميع وتعتيق القطعة كي تعطي قدما للقطعة.

وتحتاج كل قطعة إلى ما بين 7 إلى 10 أيام تقريبا، وهناك قطع تستغرق شهرين ونصف الشهر تقريبا، بحسب الحامض الذي وصف ما يقوم به بأنه عمل "نادر". 

   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号