| arabic.china.org.cn | 31. 10. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |

بقلم: حسام المغربي
31 أكتوبر 2026 /شبكة الصين/ بعد أكثر من عشرين عاما في الصين، ما زالت هناك مدن أعرفها من الكتب والأخبار أكثر مما أعرفها من شوارعها. وكانت ووهان واحدة منها. سمعت الكثير عن مكانتها الصناعية والاقتصادية، وقرأت عن تاريخها وثقافتها، لكنني لم أجد فرصة لزيارتها إلا مؤخرا، عندما تلقيت دعوة للمشاركة في جولة إعلامية وثقافية بمنطقة التنمية الاقتصادية والتكنولوجية في ووهان، المعروفة باسم "وادي السيارات الصيني".
تقع ووهان في وسط الصين عند التقاء نهري اليانغتسي والهان، وهو موقع جعلها منذ زمن طويل مركزا مهما للتجارة والنقل. أما "وادي السيارات الصيني"، فهو منطقة صناعية وتكنولوجية تطورت على مدى عقود، وأصبحت تضم شركات لصناعة السيارات ومكوناتها، ومراكز للبحث والتطوير، ومؤسسات تعمل في مجالات التكنولوجيا الحديثة.
لكن ما شدني خلال الزيارة لم يكن عدد المصانع أو حجم الاستثمارات بقدر ما كان الطريقة التي نشأت بها حول صناعة السيارات مدينة لها حياتها الخاصة.
في مركز عرض وادي السيارات الصيني، تعرفنا على المراحل التي مرت بها صناعة السيارات في ووهان. وكانت سيارة "فوكانغ" من أبرز المحطات في هذا التاريخ، فقد ارتبط ظهورها في تسعينيات القرن الماضي ببدايات تطور صناعة السيارات الحديثة في المنطقة، من خلال التعاون الصناعي الصيني الفرنسي.
قد تبدو فوكانغ للأجيال الصينية الجديدة سيارة قديمة لا تقارن بما تنتجه الشركات المحلية اليوم من سيارات كهربائية وذكية. لكن من عاش في الصين قبل عشرين عاما أو أكثر يدرك حجم التغيير الذي شهدته سوق السيارات. ففي ذلك الوقت، كانت العلامات الأجنبية تتمتع بحضور قوي، بينما كانت الشركات الصينية لا تزال تبحث عن موقعها في السوق. أما اليوم، فقد أصبحت تنافس في مجالات مثل البطاريات وأنظمة القيادة الذكية والبرمجيات المرتبطة بالسيارات.
وخلال تعرفنا على تجارب شركات مثل "دونغفنغ" و"لانتو"، بدا واضحا أن السيارة الحديثة لم تعد مجرد محرك وهيكل وعجلات، بل أصبحت منظومة تجمع بين الهندسة الميكانيكية والإلكترونيات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.
وأثناء الاستماع إلى الشروح، وجدت نفسي أفكر في الدول العربية التي بدأت تولي اهتماما متزايدا بصناعة السيارات، خصوصا الكهربائية منها. ففي مصر والمغرب والسعودية وغيرها، هناك مشروعات وخطط لتطوير هذا القطاع. لكن تجربة ووهان دفعتني إلى سؤال آخر وهو هل يكفي إنشاء مصنع للسيارات حتى نقول إننا أصبحنا نمتلك صناعة سيارات؟
ما شاهدته يشير إلى أن الأمر أعمق من ذلك. فالمصنع الكبير يمثل بداية مهمة، لكنه يحتاج إلى شبكة من الموردين، ومراكز للتدريب والبحث العلمي، وشركات متخصصة في المكونات والتكنولوجيا، وبنية تحتية قادرة على استيعاب هذه الأنشطة. وهذه المنظومة لا تتكون بين يوم وليلة، بل تحتاج إلى سنوات من الاستثمار وتراكم الخبرات والتعلم من التجارب السابقة.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي أن المنطقة التي بدأت رحلتها الصناعية مع السيارات التقليدية أصبحت اليوم تتحدث عن مستقبل التنقل الذكي، وعن العلاقة بين السيارات والطرق وشبكات الاتصال والبيانات. وهو تحول يوضح كيف يمكن لمدينة صناعية أن تطور نفسها بدلا من الاكتفاء بما حققته في الماضي.
لكن المصانع لم تكن وحدها ما جعلني أفكر في تجربة ووهان. فمن بين الأماكن التي زرناها مكتبة "شيوانيوان"، وهي مساحة ثقافية تجمع بين الكتب وعالم السيارات، وتتيح للزائر التعرف على جانب من تاريخ الصناعة في المنطقة. وقد أعجبتني فكرة المكان، لأنها تعكس نظرة أوسع إلى الحياة في المدن الصناعية.
فنحن عندما نتحدث عن إنشاء منطقة صناعية جديدة، ينصب اهتمامنا عادة على المصانع والطرق والاستثمارات وفرص العمل. وهذه كلها عناصر أساسية، لكن ماذا عن حياة الناس خارج ساعات العمل؟ وما الأماكن التي ستتيح لأبنائهم التعلم واكتشاف اهتماماتهم؟
تذكرت هذه الأسئلة مرة أخرى خلال زيارتنا لقصر تانغهو لثقافة العمال، وهو مجمع يضم مرافق للقراءة والفنون والأنشطة الثقافية، ويوفر للعاملين وأسرهم مساحة تتجاوز حدود المصنع والعمل اليومي.
لم أكن أتوقع أن تأخذني زيارة مركز ثقافي للعمال في مدينة صناعية صينية إلى قصيدة مصرية عن بناء السد العالي. تذكرت "جوابات حراجي القط" للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، التي تحكي قصة عامل بسيط يترك قريته في صعيد مصر ليشارك في بناء السد العالي، ويكتب إلى زوجته فاطنة رسائل يحكي فيها عن العمل والحياة والتغيرات التي يكتشفها.
ما زلت أرى أن هذه القصيدة من أجمل الأعمال التي تناولت العلاقة بين المشروعات الكبرى والإنسان البسيط. فالسد العالي لم يكن بالنسبة إلى حراجي القط مجرد مشروع هندسي، بل تجربة غيّرت نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله.
وخلال وجودي في المركز الثقافي للعمال بووهان، فكرت في أوجه التشابه بين التجربتين المصرية والصينية، رغم اختلاف الزمن والظروف. ففي الحالتين، لم تكن الصناعة أو المشروعات الكبرى مجرد آلات ومبانٍ وخطط اقتصادية، بل كانت هناك حياة بشرية تتغير معها.
فوراء كل مصنع كبير حكايات لا تظهر عادة في التقارير الاقتصادية؛ عمال انتقلوا من مدن وقرى بعيدة، وأسر استقرت في أماكن جديدة، وأبناء نشأوا في بيئة مختلفة عن تلك التي عاش فيها آباؤهم.
اختلف المشروعان، واختلفت البلاد والظروف، لكن جعلتني أفكر في الإنسان عندما يدخل مشروع صناعي أو تنموي كبير إلى حياته. لهذا شعرت أن زيارة قصر ثقافة العمال كانت مكملة لزيارات المصانع، وليست مجرد محطة جانبية في البرنامج. فإذا كانت المصانع تكشف لنا ما تنتجه المدينة، فإن المؤسسات الثقافية والاجتماعية تساعدنا على فهم حياة الناس الذين يعيشون فيها.
ومن المحطات التي تركت لديّ انطباعا مختلفا زيارة "قوتشين تاي"، وهو موقع تاريخي يرتبط بحكاية شهيرة في التراث الصيني عن العازف بويَا وتشونغ تسي تشي، الذي كان يفهم ما يريد بويَا التعبير عنه من خلال موسيقاه.
ومن هذه الحكاية جاء التعبير الصيني 知音، الذي يُستخدم لوصف الصديق القادر على فهمك فهما عميقا، حتى دون الحاجة إلى كثير من الكلمات.
أعرف هذا التعبير منذ سنوات طويلة، وسمعته في مواقف كثيرة خلال إقامتي في الصين، لكن زيارة المكان المرتبط بالحكاية جعلتني أتأمل معناه من زاوية مختلفة.
فنحن الذين نعمل في الإعلام والتواصل الثقافي بين الصين والعالم العربي نواجه تحديا مشابها. ليس المطلوب فقط أن ننقل المعلومات من لغة إلى أخرى، بل أن نفهم ما يريد الطرف الآخر قوله، ثم نقدمه إلى جمهور له ثقافته وذاكرته وتجاربه المختلفة.
يمكننا مثلا أن نكتب تقريرا مليئا بالأرقام عن إنتاج السيارات في ووهان، وقد يكون دقيقا ومفيدا. لكن القارئ العربي ربما يجد نفسه أكثر قربا من الموضوع عندما يعرف كيف بدأت هذه الصناعة، وما الصعوبات التي واجهتها، وكيف أثرت في حياة السكان، وما الذي يمكن أن تستفيده بلاده من هذه التجربة.
وربما كانت هذه إحدى أهم فوائد الزيارات الإعلامية، فهي تتيح لنا أن نرى ما وراء البيانات الرسمية، وأن نطرح أسئلة لا نجد دائما إجاباتها في المواد الصحفية الجاهزة.
وقد أعادتني الرحلة أيضا إلى التفكير في المدن الصناعية المصرية. ففي مصر، لدينا تجارب تاريخية مهمة مثل المحلة الكبرى وحلوان، حيث ارتبطت الصناعة بحياة مجتمعات كاملة، وأصبحت المصانع جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية لهذه المناطق.
وبالطبع، تختلف الظروف التاريخية والاقتصادية لهذه التجارب، ولا تصح المقارنة بينها بصورة مباشرة. لكن هناك دروسا مشتركة تتعلق بأهمية بناء مجتمعات صناعية متكاملة، بدلًا من النظر إلى المصانع باعتبارها مشروعات منفصلة عن محيطها.
وليس المقصود أن ننقل التجربة الصينية كما هي إلى الدول العربية، وإنما أن نفهم كيف تطورت، وما الذي نجح فيها، وما التحديات التي واجهتها، ثم نبحث عما يناسب ظروفنا واحتياجاتنا.
وهذا التفكير يمكن أن يفتح مجالات أوسع للتعاون الصناعي بين الصين والدول العربية. فالتعاون لا ينبغي أن يقتصر على استيراد السيارات أو المعدات، بل يمكن أن يمتد إلى تدريب الكوادر، وتطوير سلاسل التوريد، ونقل الخبرات الفنية والإدارية، وتشجيع البحث والتطوير.
فالصناعة التي تعتمد بالكامل على استيراد التكنولوجيا والمكونات تختلف عن صناعة تمتلك القدرة على تطوير منتجاتها والمشاركة في ابتكار تقنيات جديدة. وهذا أحد الجوانب التي تستحق الدراسة في تجربة ووهان، التي انتقلت تدريجيا من الاعتماد على التعاون الصناعي مع الشركات الأجنبية إلى مرحلة أصبحت فيها الشركات الصينية تطور علاماتها وتقنياتها الخاصة.
ومع ذلك، لا أريد أن أختصر ما شاهدته في ووهان في قصة نجاح صناعي فقط. فالمدينة، مثل أي مدينة كبيرة، لا يمكن فهمها من خلال المصانع ومراكز العرض وحدها. ولا تكفي جولة إعلامية قصيرة للحكم على تجربة مدينة بهذا الحجم، أو معرفة جميع التحديات التي يواجهها العاملون في صناعتها. فما شاهدته كان نافذة على ووهان، وليس صورتها الكاملة. لكن هذه النافذة كانت كافية لتغيير الصورة التي رسمتها عنها قبل الزيارة.
ذهبت إلى ووهان لأتعرف على صناعة السيارات، وعدت منها وأنا أفكر في أشياء أخرى: مكتبة تحتفي بتاريخ هذه الصناعة، وقصر ثقافي يهتم بحياة العمال، وحكاية صداقة صينية أعادتني إلى معنى التواصل بين الثقافات، وقصيدة مصرية عن عامل تغيرت حياته وهو يشارك في بناء السد العالي.
ربما تكون هذه إحدى أجمل المفاجآت التي تمنحنا إياها الرحلات؛ نذهب إلى مكان بعيد لنتعرف على تجربة جديدة، فنكتشف فيه شيئا يذكرنا ببلادنا وبحكايات نشأنا عليها.
بعد أكثر من عشرين عاما في الصين، ما زالت المدن تفاجئني بتفاصيل لا أجدها في التقارير والأرقام. وربما كان أهم ما تعلمته من ووهان أن المدينة الصناعية لا تُقاس بما تنتجه مصانعها وحدها، بل أيضًا بالحياة التي تصنعها للناس من حولها.
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |