share
arabic.china.org.cn | 21. 09. 2026

رأي ضيف: من الحرفة إلى النكهة.. خبي تحول تراثها إلى تجربة لا تنسى

arabic.china.org.cn / 15:38:55 2026-09-21

بقلم: محمد مازن

في مقاطعة خبي الصينية، لا يعرض التراث خلف الزجاج، ولا يبقى حبيس المتاحف أو الكتب. هناك، يتحرك بين الناس في الشوارع، ويظهر في أيدي الحرفيين، ويتحول إلى نكهة في مزارع العنب، بل يجد طريقه أحيانا إلى قهوة الفلفل في كوب من الفلفل داخل منشأة أولمبية.

خلال اقامتي في بكين، طالما أعجبني مفهوم سانليتون. كلما دخلت هذه المنطقة التجارية شعرت بما يشبه "سائلا ثقافيا" يتحرك أمامي؛ لا يقف في مكان محدد، ولا ينتظر من الناس أن يذهبوا إليه، وإنما يتحرك بينهم.

قد تدخل إلى المكان من أجل شراء حذاء، فتجد نفسك بعد دقائق أمام معرض لفنان. وربما تجلس في مقهى لمقابلة صديق، فتسمع موسيقى لم تكن تعرفها، أو تمر في ساحة فتجد فعالية، أو تكتشف متجرا مؤقتا يعرض تصميمات جديدة. وعلى مقربة منك يتحرك جمهور ذاهب إلى حفل أو ملعب، بينما يجلس آخرون في الساحات بلا هدف واضح سوى أن يكونوا هناك.

في هذه الأماكن التي تبدو كصالة معيشة للمدينة، يصعب أن تعرف أين تنتهي التجارة وتبدأ الفنون، أو أين تنتهي الثقافة ويبدأ الترفيه. كل شيء يتداخل مع كل شيء، والناس أنفسهم هم أبطال المشهد.

لكن خلال جولتي في خبي ضمن فعالية "استشعار السعادة في الصين"، مع وفد من أكثر من 30 صحفيا ومدونا ومؤثرا صينيا وأجنبيا، اكتشفت أن الفكرة يمكن أن تأخذ منحى آخر. هنا لا تكتفي الفنون بالوصول إلى الناس، بل تدعوهم إلى التفاعل معها. ويرتبط هذا المفهوم بالحرفة والنكهة والمنتج المحلي.

ثلاث محطات مختلفة، لكنها ربما تقول شيئا واحدا: حين تريد أن تجعل إرثك حيا، لا تكتف بعرضه للناس، بل امنحهم فرصة لأن يعيشوه.

وان لي مياو.. حين تمشي الفنون في الشارع

في قلب حاضرة المقاطعة شيجياتشوانغ، المدينة التي تتمتع بإرث تاريخي عريق، يبدأ الاختبار من الشارع نفسه. يمتد شارع وان لي مياو للمشاة لنحو 1080 مترا، ويضم أكثر من 400 متجر مستقل، إلى جانب مساحات تجارية وترفيهية واسعة.

لكن الأرقام لا تشرح وحدها ما يحدث هنا. المشهد أقرب إلى الحياة اليومية: حركة مستمرة، مبان بلمسة عصرية، متاجر ومطاعم، موسيقى وإضاءة، شباب وأسر، ومساحات يمكن أن يتوقف فيها الناس أو يعبروا من محطة إلى أخرى.

تدخل زقاق تونغ له الشمالي، فيتغير الإيقاع.

هنا، تتراجع واجهات المتاجر الحديثة وتظهر تفاصيل تستدعي ذاكرة أقدم. الموروث يحضر في صورة أكثر مباشرة. استوديوهات لفنانين وحرفيين، أعمال يدوية، مقتنيات قديمة، كتب وطوابع وعملات، وفنون شعبية تعيد وصل الشارع بذاكرة المدينة.

في أحد الاستوديوهات، توقفت لرؤية الفنان الصيني قوه هاي بو وهو ينقش على الصفائح المعدنية. وبالجوار، لمست عن قرب أعمال القامة الفنية هاو يو يو في الرسم بالحرق بالمكواة، وماستر قص الورق الصينية تشو شو ينغ، وهي تبدع، وغيرها من الفنانين المرتبطين بالأوبرا الصينية والحرف.

الأسماء مهمة؛ لأنها تجعل الموروث مرتبطا بأشخاص حقيقيين. فبدلا من أن يقال للزائر "هذه حرفة تقليدية"، يرى صاحبها أمامه، يشارك هاو وهو يطرق على المعادن، ويتابع حركات أصابع تشو، والخطوات التي تتحول بها المادة الخام إلى عمل فني.

ينتقل من المشاهدة إلى المشاركة. قد يسأل الفنان، وقد يجرب أداة، وقد يشتري قطعة صغيرة، لكنه في كل الأحوال يخرج وهو يعرف أن وراء العمل شخصا ووقتا ومهارة وقصة، ما يجعل "التراث غير المادي" مفهوما ملموسا.

ولا يتوقف الأمر عند الحرف.

في نفس المكان سوق للمقتنيات والفنون القديمة يضم أكثر من 30 عربة ومنصة تعرض كتبا ومخطوطات ولوحات وعملات وطوابع وأدوات كتابة وقرعا وأخشابا وعطورا ومطبوعات وأعمالا شعبية.

ثم يمكن أن تنتقل فجأة إلى عالم الأوبرا.

فمسرح تونغ له يستعيد ذاكرة "تونغ له يوان"، أول مسرح في شيجياتشوانغ، الذي تأسس عام 1916، وارتبط بعروض لفنانين كبار مثل مي لان فانغ وتشو شين فانغ وشون هوي شنغ.

قد يمر الزائر أمام هذه الأشياء، ثم يجد نفسه بعد دقائق في عالم مختلف تماما. الموسيقى الحديثة في مسرح هونغ تانغ لايف هاوس، أحد أشهر المسارح الفنية الحية ومنصات الموسيقى المستقلة والروك، أو تجربة رقمية غامرة في منطقة تكنولوجية.

ففي مركز جي دي مول، توجد أكثر من 30 منطقة لتجارب الواقع الافتراضي والألعاب والرياضات الإلكترونية والترفيه، بينما يقدم متحف الشوكولاتة أعمالا مستوحاة من رموز ومعالم محلية من خلال الشوكولاتة، بينها تشاو تسي لونغ، وبوابة رونغ قوه فو، ومصباح قصر تشانغ شين، وبرج الساعة في ميدان التحرير.

الفكرة ليست جمع أشياء متباعدة، وإنما إعطاء الزائر أكثر من باب للدخول إلى ملامح المكان، تجعله يتوقف وينظر ويصور ويتذوق ويختبر.

ولعل الإقبال يوضح حجم المشهد؛ فقد استقبل وان لي مياو أكثر من 117 مليون زائر خلال 2025، ووصل عدد الزوار في الأشهر الثمانية الأولى من 2026 إلى نحو 82 مليونا، بمتوسط يومي يقارب 337 ألفا.

لكن كل هذه الملايين لا تدخل المكان بالطريقة نفسها. كل شخص يصنع مساره الخاص ويخرج بذكرى جيدة.

هوايلاي.. حين يتذوق الزائر الأرض

وإذا كانت شيجياتشوانغ تجعل الموروث شيئا يمكن رؤيته وصنعه، فإن هوايلاي تقدمه بطريقة مختلفة تماما، حيث يمكن تذوقه.

في محافظة هوايلاي تختفي كثافة الشارع وتبدأ الحكاية من الأرض، من مزارع العنب. وتقع هوايلاي عند خط عرض يقارب 40 درجة شمالا، وهو موقع ارتبط بملاءمته لزراعة العنب. ومع الوقت تحولت الثمرة إلى صناعة، والصناعة إلى هوية، والهوية إلى مسار سياحي.

في "نافذة النبيذ العالمي"، يتعرف الزائر إلى أنواع العنب والمشروبات التي تصنع منه، ثم تأتي اللحظة التي تختصر كل المعلومات في تذوق المنتجات.

أنواع مختلفة من العنب يمكن تذوقها. في تلك اللحظة، لا يعود العنب مجرد محصول، بل يصبح نكهة للمكان. فالمكان الذي يتذوقه الإنسان يصعب أن يبقى مجرد اسم في ذاكرته.

وخلف هذا المسار صناعة واسعة: 302 مزرعة لقطف العنب، وأكثر من 40 شركة لمعالجة النبيذ، ونحو 500 منتج، وفي عام 2025 بلغ الناتج الاقتصادي لسلسلة الصناعة نحو 1.4 مليار يوان (حوالي 209 ملايين دولار)، مع توفير أكثر من 60 ألف فرصة عمل بصورة مباشرة.

لكن الزائر قد لا يحمل معه كل هذه الأرقام. قد يحمل طعما. وهذا هو "السائل الثقافي" في صورة أخرى: الموروث لم يأت إلى متحف، وإنما دخل إلى حاسة التذوق.

تشونغلي.. فلفل في مكان لا تتوقعه

ثم جاءت زيارتي لتشونغلي القريبة من مدينة تشانغجياكو بمشهد يصعب توقعه. في مركز القفز التزلجي الوطني "سنو روي"، أيقونة ألعاب الجليد في أولمبياد بكين الشتوي 2022، ترتبط الصورة في ذهن الزائر عادة بالثلج والقفز والتصميم الأولمبي المميز.

لكن وسط هذا المشهد يظهر الفلفل الحلو. ليس في حقل هذه المرة، وإنما في كوب قهوة. والأكثر إثارة أن الوعاء نفسه هو ثمرة الفلفل ويمكن تناوله.

قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى مجرد لقطة طريفة، لكنها تحمل وراءها فكرة أوسع. تشونغلي هي أكبر قاعدة لإنتاج الفلفل الحلو الصيفي في الصين، وتبلغ القيمة السنوية لهذه الصناعة نحو 534 مليون يوان. لكن حين ينتقل الفلفل من الحقل إلى كوب داخل منشأة أولمبية، فإنه يدخل قصة جديدة.

الزائر الذي لم يكن يبحث عن الفلفل أصلا، يكتشفه في المكان، يسأل عنه، يصوره، وربما يتذوقه. هنا يتحول المنتج المحلي إلى مدخل للتعرف إلى المنطقة، حيث تلقتي الأرض والزراعة والإرث الأولمبي والسياحة والتجارة في لحظة واحدة.

ما رأيته في هذه الأماكن جعلني أتذكر مجددا "السائل الثقافي" الذي طالما شعرت بحضوره في سانليتون، لكن خبي أضافت إليه معنى آخر؛ ثقافة تتحرك في الشارع، وتخرج من يد الحرفي، ومن الأرض، ومن المنتج المحلي، لتصل إلى حواس الزائر.

في وان لي مياو رأيت التراث وهو يصنع، وفي هوايلاي تذوقته، وفي تشونغلي وجدته في كوب قهوة داخل منشأة أولمبية.

ثلاث محطات مختلفة، لكنها تركت الأثر نفسه، ليست أن نصون الموروث فقط، وإنما أن نمنحه فرصة جديدة ليرى ويلمس ويتذوق ويعاش.

وهنا تكمن قيمة التجربة التي تقدمها خبي؛ فعندما يغادر الزائر المكان وهو يحمل في ذاكرته مشهدا أو طعما أو لحظة دهشة، يكون التراث قد غادر معه أيضا، لا كذكرى عن المكان فحسب، بل كجزء منه.


ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号