| arabic.china.org.cn | 18. 09. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |

بقلم علاء ممدوح عاكف، أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية كلية اللغات الأجنبية جامعة بكين
18 سبتمبر 2026 / شبكة الصين / تنامى حضور الصين في قضايا الأمن العالمي خلال العقدين الماضيين على نحو واضح، فقد أصبحت بكين أكثر انخراطًا في عمليات حفظ السلام والحوار الأمني المتعدد الأطراف وتسوية الأزمات وطرح المبادرات المتعلقة بالحوكمة العالمية إلى جانب أنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. وأصبحت الصين ثاني أكبر مساهم مالي في ميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الصينية. كما طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ "مبادرة الأمن العالمي" في عام 2022، التي قدمت تصورًا صينيًا أكثر شمولًا لقضايا الأمن الدولي، يقوم على مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام وعلى الحوار والتشاور في معالجة النزاعات.
ولم يتشكل هذا الحضور بين ليلة وضحاها، فقد سبقته سنوات طويلة من بناء قنوات الحوار والمنصات التي تحاول الصين من خلالها عرض رؤيتها والاستماع في الوقت نفسه إلى رؤى الدول الأخرى. ومن بين أهم هذه المنصات "منتدى شيانغشان ببكين"، الذي يحتفل هذا العام بمرور عشرين عامًا على تأسيسه. ويمكننا أن نرى أن أهمية المنتدى لم تتراجع بعد طرح مبادرة الأمن العالمي، بل أصبح موقعه داخل التصور الأمني الصيني أكثر وضوحًا؛ فقد أصدرت وزارة الخارجية الصينية «وثيقة مفهوم مبادرة الأمن العالمي» في فبراير 2023، وذكرت فيها منتدى شيانغشان ببكين إلى جانب منتدى السلام والأمن الصيني الأفريقي ومنتدى أمن الشرق الأوسط، وذلك ضمن المنتديات التي تدعمها الصين لتعميق التبادل والتعاون في المجال الأمني. ويمنحنا هذا الربط الرسمي سببًا إضافيًا للنظر إلى تطور منتدى شيانغشان باعتباره إحدى المنصات التي يمكن من خلالها قراءة تطور مشاركة الصين في الحوكمة الأمنية العالمية.
وإلى جانب أهمية المنتدى نفسها، لفت نظري أثناء متابعتي للدورة الثالثة عشرة أن حضوره في التغطية الإعلامية العربية ما زال محدودًا نسبيًا مقارنة بحجم المشاركة الدولية فيه، ولا سيما من حيث المواد التي تعرّف به وتناقش تطوره ودلالاته. وكان ذلك سببًا إضافيًا دفعني إلى التوقف أمام هذه المنصة وقراءة ما يقوله تطورها عن موقع الصين المتغير في قضايا الأمن العالمي.
ولنبدأ من اسم المنتدى، فكلمة "شيانغشان" (香山) يمكن ترجمتها حرفيًا إلى "الجبل العطري"، وهي اسم منطقة جبلية تاريخية شهيرة في شمال غربي بكين، عرفت بحدائقها الإمبراطورية، وتشتهر خصوصًا بأوراقها الحمراء في الخريف. أما منتدى شيانغشان الذي يحمل هذا الاسم، فقد تأسس عام 2006 وشهد خلال عشرين عامًا تحولًا كبيرًا في حجم المشاركة وطبيعة القضايا التي يناقشها.
ويمدنا الموقع الرسمي للمنتدى بمعلومات مهمة عن مسيرته، فقد بدأ بوصفه منصة من "المسار الثاني" (Track 2)، أي حوارًا غير رسمي يشارك فيه أساسًا الخبراء والباحثون ومراكز الفكر بعيدًا عن المفاوضات الحكومية الرسمية. وتطور إلى "المسار الأول ونصف" (Track 1.5) منذ دورته الخامسة عام 2014، أي أنه أصبح يجمع المسؤولين الحكوميين والعسكريين مع الخبراء والباحثين في بوتقة واحدة، بما يسمح بالتبادل المباشر بين صناع القرار والدوائر البحثية. وأصبح اسمه الرسمي "منتدى شيانغشان ببكين" في عام 2018. كما يحدد الموقع الرسمي مبادئ المنتدى بأربع كلمات هي "المساواة والانفتاح والشمول والتعلم المتبادل"، ويذكر أن هدف المنتدى هو السعي إلى تبادل الرؤى والخبرات وتوسيع التوافق وتعزيز الثقة المتبادلة.
ويتجلى تطور المنتدى أيضًا في الاتساع الكبير لنطاق المشاركة فيه. فقد تحول المنتدى من فعالية شارك فيها في بداياته ممثلون من أكثر بقليل من عشر دول إلى منصة تستقطب اليوم مشاركين من أكثر من مئة دولة ومنطقة ومنظمة دولية، حيث أعلنت وزارة الدفاع الصينية مشاركة نحو ألفي ضيف من مسؤولين وخبراء وباحثين ومراقبين في الدورة الثالثة عشرة الحالية، وهو ما يعكس المكانة التي بات المنتدى يحتلها ضمن منصات الحوار الدولي في قضايا الأمن والدفاع.
وتمنح الذكرى العشرون لتأسيس المنتدى دورة هذا العام خصوصية إضافية. فقد نظم المنتدى حوارًا بعنوان "عشرون شخصية تتحدث عن عشرين عامًا من منتدى شيانغشان"، إلى جانب معرض يستعرض مسيرة المنتدى خلال عشرين عامًا وفيلم تذكاري وسلسلة مقابلات مع عدد من المشاركين في دوراته المختلفة. غير أن دلالة هذه الذكرى تتجاوز الجانب الاحتفالي، فهي تتيح فرصة للنظر إلى المسافة التي قطعها المنتدى، وما يعكسه هذا التطور من اتساع مشاركة الصين في الحوار والحوكمة الأمنية العالمية.
وتكتسب دورة هذا العام من عنوانها "بناء توافق حول الاستقرار وتعزيز الحوكمة الأمنية معًا" أهمية إضافية في تقديري، فيحمل اختيار هاتين الكلمتين "الاستقرار" و"الحوكمة" دلالة تتجاوز صياغة شعار مناسب للمؤتمر. فتنعقد الدورة الحالية للمنتدى في بيئة دولية تتقاطع فيها النزاعات الإقليمية مع التنافس بين القوى الكبرى وأمن الممرات البحرية مع التحولات التكنولوجية السريعة وتتسع فيها المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والفضاء الخارجي وغيرها من المجالات الجديدة.
ولهذا جاءت موضوعات المنتدى مرتبطة مباشرة بهذه التطورات الدولية. فقد خصص القائمون على المنتدى أربع جلسات عامة لمناقشة النظام الدولي والاستقرار الاستراتيجي، والنزاعات الإقليمية ومآزق تسويتها، والمخاطر والتحديات التي تواجه أمن واستقرار آسيا والمحيط الهادئ، ودور الدول النامية ورؤيتها. كما تتناول ثماني جلسات متوازية موضوعات تمتد من التعددية القطبية والعلاقات بين القوى الكبرى وضبط التسلح الدولي إلى أمن الممرات البحرية، والمخاطر المرتبطة بالاستخدام العسكري للتكنولوجيات الناشئة، وحوكمة أمن الفضاء الخارجي. وتكشف هذه الأجندة عن مفهوم واسع للأمن والحوكمة الأمنية عند وضعها إلى جانب عنوان الدورة، فالدورة الحالية تجمع بين قضايا الأمن التقليدية والتحديات غير التقليدية، وبين إدارة النزاعات والتنسيق الدولي ومواجهة المخاطر الجديدة.
وقد لخص نائب الرئيس الصيني هان تشنغ دور المنتدى في كلمته خلال مأدبة الترحيب بضيوف الدورة الثالثة عشرة والتي نشرت صحيفة "الشعب اليومية" نصها، بقوله إن منتدى شيانغشان "أدى خلال عشرين عامًا دورًا مهمًا في بناء التوافق الأمني وتعزيز التعاون الدفاعي وصون السلام والاستقرار في المنطقة"، مؤكدًا في موضع آخر من كلمته أهمية الحوار والتشاور في معالجة الخلافات والنزاعات. ومن المهم هنا أن نقرأ هذه العبارة بوصفها التعبير الرسمي الصيني عن الوظيفة التي تريد بكين أن يؤديها المنتدى: مساحة للحوار الأمني تستطيع أن تجمع دولًا ذات مصالح ورؤى متباينة داخل إطار واحد.
وتزامنت الذكرى العشرون لتأسيس المنتدى هذا العام مع اتساع واضح في دوائر الحوار، تجسد في انعقاد الدورة الرابعة من منتدى السلام والأمن الصيني الأفريقي بالتوازي مع منتدى شيانغشان، مع تنسيق الموضوعات وتقاسم النتائج بين المنصتين. وتكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية مع تخصيص إحدى الجلسات العامة لمناقشة "دور الدول النامية ورؤيتها"، بما يعكس اهتمامًا متزايدًا بإتاحة مساحة أوسع لأصوات أفريقيا ودول الجنوب العالمي في النقاش حول الأمن والحوكمة العالمية.
ويضفي الاهتمام الصيني المتزايد بمشاركة الدول النامية بعدًا مهمًا لمنتدى شيانغشان بالنسبة إلى العالم العربي والقارئ العربي. فقضايا الشرق الأوسط حاضرة في نقاشات المنتدى، كما ترتبط ملفات أمن الممرات البحرية والنزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى والذكاء الاصطناعي والاستخدام العسكري للتكنولوجيا بصورة مباشرة بمصالح الدول العربية. ومع ذلك، ما زال اهتمامنا العربي بهذه المنصات الآسيوية أقل من اهتمامنا بالمنصات الأمنية الغربية الأكثر شهرة في تقديري.
ومن هنا تتجاوز أهمية منتدى شيانغشان مجرد متابعة ما تقوله الصين في قضايا الأمن؛ فهو يتيح أيضًا فهمًا أوسع لكيفية نظر دول آسيوية وأفريقية وغيرها من دول الجنوب العالمي إلى التحولات الجارية في النظام الدولي وقضايا الأمن والحوكمة العالمية. كما تبرز أهمية توسيع الحضور العربي في هذه المنصات ليشمل الجامعات ومراكز الفكر والباحثين والخبراء، بما يتيح عرض الرؤى العربية من داخل النقاش نفسه وتعزيز التواصل مع نظرائهم في مناطق أخرى من العالم. وربما يكون اتساع الاهتمام العربي بهذه المنصات مدخلًا مهمًا لفهم التحول الجاري في خريطة الحوار الأمني الدولي ودور الصين المتزايد فيها.
_______________
الآراء الواردة في المقال تعكس آراء الكاتب فحسب، وليس الشبكة
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |