share
arabic.china.org.cn | 05. 09. 2026

الحضارة شاهدة على سبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية

arabic.china.org.cn / 11:08:08 2026-09-05

بقلم علاء ممدوح عاكف، أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية كلية اللغات الأجنبية جامعة بكين

5 سبتمبر 2026 / شبكة الصين / استوقفتني زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ وقرينته للمتحف المصري الكبير بصحبة الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته، خاصة بعد أن تداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في مصر صورًا للرئيس الصيني وهو يقف أمام قناع توت عنخ آمون، بينما يشرح المرشدون السياحيون المصريون للرئيسين وقرينتيهما التفاصيل التاريخية والفنية لهذا القناع الذي يعد واحدًا من أشهر رموز الحضارة المصرية في العالم. وحملت كثير من التعليقات مشاعر الفخر بحضارة مصر وتراثها، والسعادة بالزيارة التاريخية للرئيس الصيني وحسن استقباله.

شعرت وأنا أشاهد تلك الصور أن هناك شيئًا يتجاوز كثيرًا زيارة رئيس دولة صديقة للمتحف المصري الكبير. يقف رئيسا دولتين تمثلان اثنتين من أقدم حضارات العالم أمام أثر تركه لنا أجدادنا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام في وقت تحتفل فيه مصر والصين بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وربما كان أجمل ما في هذه الصور أن الحضارة كانت شاهدة مرة أخرى على فصل جديد من تاريخ العلاقة بين البلدين.

وهذا الحضور ليس جديدًا. فمن يتابع تاريخ العلاقات المصرية الصينية خلال العقود الأخيرة يلاحظ أن الثقافة والحضارة كانتا حاضرتين بقوة كلما وصلت العلاقة إلى محطة مهمة من محطاتها. أتذكر جيدًا احتفالات عام 2006 حين كانت مصر والصين تحتفلان باليوبيل الذهبي لإقامة العلاقات الدبلوماسية. فقد أُقيم حفل مصري صيني كبير آنذاك عند سفح أهرامات الجيزة بحضور رئيس مجلس الدولة الصيني ورئيس الوزراء المصري، وشارك فيه فنانون من البلدين. حمل اختيار المكان في حد ذاته دلالة مهمة، هي احتفال مصر والصين بخمسين عامًا من العلاقات الحديثة أمام أثر بقي شاهدًا على آلاف السنين من التاريخ المصري.

وعندما زار الرئيس شي جين بينغ مصر في الذكرى الستين للعلاقات الدبلوماسية في عام 2016 تضمن جدول زيارته مدينة الأقصر حيث شارك مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في الاحتفال بالذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأُطلق العام الثقافي المصري الصيني من ساحة معبد الأقصر الذي تحمل جدرانه جانبًا كبيرًا من ذاكرة مصر القديمة. لم تكن الثقافة في تلك الزيارة فقرة جانبية تضاف إلى برنامج سياسي واقتصادي حافل؛ بل كانت واحدة من الصور الرئيسية التي قُدمت بها العلاقة بين البلدين.

وتجول الرئيس الصيني في الأقصر بين عدد من أهم مواقع الحضارة المصرية القديمة. زار معابد ومقابر ملكية فرعونية في البر الغربي، ومن بينها مقبرة الملك المصري الشاب توت عنخ آمون، ثم زار معبد الكرنك. وعاد توت عنخ آمون ليحضر في زيارة الرئيس الصيني إلى مصر بعد عشر سنوات، ولكن بصورة مختلفة. فقد زار شي جين بينغ عام 2016 المقبرة الملكية التي احتفظت بكنوز الملك الشاب أكثر من ثلاثة آلاف عام، ووقف في المتحف المصري الكبير في 2026 أمام أشهر قطعة خرجت من تلك المقبرة، ألا وهي القناع الذهبي.

تفصل عشر سنوات بين زيارة المقبرة في وادي الملوك والوقوف أمام القناع في القاهرة، وبين الذكرى الستين والذكرى السبعين للعلاقات المصرية الصينية. وقد تغير الكثير خلال تلك السنوات في العالم وفي البلدين وفي حجم التعاون بينهما، لكن بقيت الحضارة المصرية حاضرة في المشهد، وكأنها تقدم خيطًا خفيًا يصل بين الزيارتين.

ربما لهذا السبب أيضًا لم يكن غريبًا أن يستعيد الرئيس شي ذكريات زيارته السابقة في المقال الذي كتبه قبيل زيارته الأخيرة إلى مصر، وأن يتحدث مرة أخرى عن الحضارتين المصرية والصينية. فلا يبدأ الحديث عن العلاقات بين البلدين فقط من عام 1956، مهما كانت أهمية ذلك العام بوصفه بداية العلاقات الدبلوماسية الرسمية. لكن وراء هذه العقود السبعة تاريخ أطول بكثير من التواصل والتبادل الحضاري.

وأصبح هذا التبادل الثقافي أكثر قربًا من حياة الناس أيضًا خلال السنوات العشر التي فصلت بين زيارتي الرئيس الصيني لمصر في 2016 و2026. فقد ازداد عدد الطلاب المصريين الذين يدرسون اللغة الصينية، واتسع حضور الصين في المدارس والجامعات المصرية، وفي الصين أصبح الجمهور الصيني أكثر اطلاعًا على الثقافة المصرية. فقد حظيت آثار مصر القديمة التي عُرضت في شانغهاي باهتمام استثنائي من الجمهور الصيني؛ إذ نفدت 200 ألف تذكرة طُرحت مبكرًا للمعرض قبل افتتاحه، واستقبل المعرض في نهاية المطاف أكثر من 2.7 مليون زائر. ويمكننا أن نرى في ضوء ما سبق أن العلاقات بين البلدين لم تعد تقتصر على اللقاءات بين المسؤولين والمؤسسات، بل امتدت إلى جيل جديد تتشكل معرفته بالبلد الآخر بصورة مباشرة، طالب مصري يدرس اللغة الصينية، ومواطن صيني يقف أمام أثر فرعوني ويتعرف من خلاله إلى مصر.

وتوجد صورة أخرى أحب أن أتوقف عندها. فاليوم يعمل العلماء الصينيون إلى جانب زملائهم المصريين في مواقع أثرية مصرية، ومن بينها مواقع في الأقصر وميت رهينة. فقبل قرون وصلت قطع الخزف الصيني إلى الفسطاط عبر طرق التجارة، واليوم يأتي علماء الآثار الصينيون إلى مصر ليعملوا مع زملائهم المصريين في الكشف عن تاريخ الحضارة المصرية ودراسته. تغيرت طبيعة التواصل الحضاري بين الأمتين تمامًا، لكن الرغبة في معرفة الآخر بقيت حاضرة.

وبعد سبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية، يبدو التلاقي الثقافي والحضاري واحدًا من أعمق مصادر قوتها واستمرارها. فخلف مصالح الحاضر تاريخ طويل من الاتصال والاحترام المتبادل بين حضارتين عريقتين، تتجدد اليوم صوره في تعلم اللغة والتبادل الثقافي والتعاون الأثري ومعرفة كل شعب بالآخر. ومن خزف الفسطاط الصيني إلى قناع توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير، بقي هذا الرصيد الحضاري يمنح العلاقات المصرية الصينية عمقًا يتجاوز عمرها الدبلوماسي، ويفتح أمامها مساحة أوسع للمستقبل.

 

_______________

الآراء الواردة في المقال تعكس آراء الكاتب فحسب، وليس الشبكة

 


 


   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号