| arabic.china.org.cn | 19. 08. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |

بقلم علاء ممدوح عاكف، أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية كلية اللغات الأجنبية جامعة بكين
19 أغسطس 2026 / شبكة الصين / حققت الصين خلال السنوات الماضية تقدمًا واضحًا في مجال حماية البيئة وبناء الحضارة الإيكولوجية، وأخذت القضايا البيئية تحتل مكانة متنامية في خطط التنمية والسياسات العامة. وقد تابعت عن قرب خلال ما يقرب من أربعة عشر عامًا قضيتها في الصين كيف تحول هذا الاهتمام تدريجيًا إلى سلسلة من الخطط والسياسات والتشريعات التي شملت مكافحة تلوث الهواء والمياه والتربة وزيادة المساحات الخضراء وتطوير الطاقة النظيفة وتشجيع وسائل النقل منخفضة الكربون. ولم تعد حماية البيئة قضية منفصلة عن التنمية الاقتصادية، بل أصبحت جزءًا من تصور أوسع لمستقبل التنمية في الصين. ويأتي «قانون الإيكولوجيا والبيئة لجمهورية الصين الشعبية» -الذي أقره المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في مارس 2026 ودخل حيز التنفيذ في أغسطس 2026- ليمثل مرحلة جديدة ومهمة في هذا المسار الممتد.
وقد ارتبطت هذه التغيرات بمفهوم "الحضارة الإيكولوجية" الذي حظي بمكانة أساسية في مسيرة التنمية الصينية، فقد تعززت مكانة حماية البيئة والحضارة الإيكولوجية تدريجيًا داخل الرؤية الصينية للتنمية منذ عام 2012، لتصبحا جزءًا مهمًا من مسار التنمية عالية الجودة. وأصبحت مفاهيم مثل الحضارة الإيكولوجية و"الصين الجميلة" حاضرة بوضوح في تقارير عمل الحكومة والخطط الوطنية وأهداف التنمية طويلة المدى. كما ارتبطت التنمية الخضراء بصورة أوثق بتحول هيكل الاقتصاد والصناعة والطاقة وبالتغيير التدريجي في أنماط الإنتاج والاستهلاك. وأعلنت الصين عام 2020 هدف بلوغ ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل عام 2030، والسعي إلى تحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060.
وتبرز أهمية «قانون الإيكولوجيا والبيئة لجمهورية الصين الشعبية» في أنه يقدم إطارًا قانونيًا أكثر شمولًا وتكاملًا لتنظيم القضايا المرتبطة بالبيئة والإيكولوجيا في الصين. فيغطي القانون -الذي يضم 1242 مادة- مجالات متعددة تشمل مكافحة التلوث وحماية النظم الإيكولوجية والتنمية الخضراء والمنخفضة الكربون والمسؤولية القانونية. كما أعاد تنظيم ودمج عدد كبير من الأحكام التي كانت موزعة من قبل بين قوانين وتشريعات مختلفة، بما يساعد على تعزيز التنسيق بينها وتكوين منظومة قانونية أكثر ترابطًا في مجال حماية البيئة. لذا، يمكن النظر إلى هذا القانون باعتباره خطوة مهمة في انتقال الصين من تراكم السياسات والتشريعات البيئية على مدى سنوات إلى بناء إطار قانوني أكثر شمولًا واستقرارًا.
وهذه النقطة مهمة لفهم دلالة القانون داخل الصين. فالتحديات البيئية بطبيعتها مترابطة؛ فيرتبط تلوث الهواء بالطاقة والصناعة والنقل، وترتبط حماية المياه بالزراعة والمدن وإدارة الموارد، ويرتبط خفض الانبعاثات بنمط التنمية الاقتصادية نفسه. ومن ثم يحتاج التعامل مع هذه القضايا إلى إطار قانوني قادر على تحقيق قدر أكبر من التنسيق بينها. ويعكس القانون الجديد هذا الاتجاه، إذ يربط بصورة أوضح بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية واستخدام الموارد والتحول الأخضر. كما يعزز الانتقال من معالجة المشكلات البيئية بعد وقوعها إلى الوقاية منها وإدارتها منذ مرحلة التخطيط.
ولا تقتصر أهمية هذا التطور على جمع التشريعات البيئية وتنظيمها في إطار أكثر تكاملًا، بل تمتد إلى تعزيز الاستمرارية والاستقرار في السياسات البيئية من خلال تحديد أوضح للمسؤوليات وآليات الرقابة والمساءلة والتنفيذ. وأرى من خلال متابعتي لهذا المسار على مدى سنوات طويلة في الصين وبوصفي عربيًا أتيحت له فرصة التعرف عن قرب على التجربة الصينية أن هذه الخطوة تكشف عن تطور مهم في مفهوم حماية البيئة نفسه؛ إذ أصبحت الحضارة الإيكولوجية أكثر ارتباطًا بالقواعد المؤسسية والقانونية التي تضمن استمرارها وتنفيذها على المدى الطويل.
ويحمل القانون دلالة دولية أيضًا في الوقت نفسه. فالصين اليوم واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، ولذلك تؤثر خياراتها في مجالات الطاقة والصناعة والنقل والبيئة بصورة مباشرة في الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ وتحقيق التنمية المستدامة. وقد نص القانون نفسه على تعزيز التعاون الدولي في مجال الإيكولوجيا والبيئة والمشاركة الفاعلة في الحوكمة البيئية العالمية والدفع نحو بناء نظام عالمي للحوكمة البيئية يقوم على الإنصاف والتعاون والكسب المشترك. ويمكن وضعه في سياق أوسع يشمل التزامات الصين المناخية ومشاركتها في اتفاق باريس ودفعها لمبادرات التعاون الأخضر في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، فضلًا عن توسع تعاونها مع كثير من الدول في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من مصادر الطاقة النظيفة.
وهنا تظهر أيضًا أهمية هذا التطور بالنسبة إلى الدول العربية. فلا توجد تجربة واحدة تصلح للنقل كما هي من بلد إلى آخر، كما تختلف الدول العربية في أوضاعها الاقتصادية ومواردها الطبيعية وتحدياتها البيئية. ومع ذلك، تواجه كثير منها قضايا مشتركة بدرجات مختلفة، مثل ندرة المياه والتصحر وارتفاع درجات الحرارة والحاجة إلى توسيع استخدام الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استهلاك الموارد. ويمكن من هذه الزاوية الاستفادة من التجربة الصينية في كيفية الجمع بين حماية البيئة وأهداف التنمية الاقتصادية، وتحويل التوجهات البيئية إلى سياسات وتشريعات طويلة المدى. ويكتسب ذلك أهمية أكبر مع اتساع التعاون الصيني العربي في مجال التنمية الخضراء، ولا سيما في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومكافحة التصحر وإدارة المياه وبناء المدن الخضراء والتكنولوجيا منخفضة الكربون، إلى جانب تبادل الخبرات البحثية والقانونية. ويمكن لقانون الإيكولوجيا والبيئة أن يضيف بعدًا جديدًا إلى هذا التعاون من خلال توسيع تبادل الخبرات في التشريعات البيئية وآليات الحوكمة وتنظيم العلاقة بين التنمية وحماية البيئة.
وتتجلى إحدى أهم دلالات هذا القانون ـ من وجهة نظري ـ في أنه لا ينظر إلى حماية البيئة باعتبارها مهمة مرحلية في مسار التحديث الصيني النمط، بل يضعها في إطار تنموي وقانوني طويل المدى. ويمنح هذا القانون هذا المسار قدرًا أكبر من التكامل والاستقرار بعد سنوات من الخطط والممارسات والسياسات البيئية، ويؤكد أن التنمية الخضراء أصبحت جزءًا أصيلًا من رؤية الصين لمستقبلها. ومن هذه الزاوية، لا تقتصر أهمية القانون على الداخل الصيني، بل تمتد إلى ما يمكن أن تقدمه التجربة الصينية من خبرة للدول الأخرى في البحث عن مسارات تنموية تجمع بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. وفي ظل ما يشهده التعاون الصيني العربي من تطور متزايد، يمكن أن تشكل هذه الخبرة أحد المجالات التي تمنح هذا التعاون مضمونًا أوسع خلال السنوات المقبلة.
_______________
الآراء الواردة في المقال تعكس آراء الكاتب فحسب، وليس الشبكة
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |