| arabic.china.org.cn | 18. 08. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
18 أغسطس 2026 / شبكة الصين / صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في الثامن من أغسطس الجاري، بأن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان مؤخراً تهدف إلى تعزيز الاستقلالية الإقليمية، وتُعد خطوة محورية نحو إرساء استقرار دائم في المنطقة. وأكد فيدان أن الاتفاقية ينبغي ألا تقتصر على الدول الثلاث الحالية، بل يجب أن تتوسع. مشيراً إلى أن مصر قد تنضم إليها في المرحلة المقبلة. وتنص البنود الأساسية للاتفاقية حالياً على أن أي اعتداء مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. ويشير ذلك إلى أن دول الشرق الأوسط بصدد إعادة صياغة منطقها الأمني، بما يفضي إلى تحول جذري في المشهد الأمني بالمنطقة.
ثلاثة عوامل وراء توجّه السعودية وتركيا وباكستان استباقيا نحو "الدفاع المشترك": أولاً، قاعدة التعاون الثلاثي راسخة نسبيا. تجمع الدول الثلاث أنها ذات أغلبية سنية، وتتقارب مواقفها حيال العديد من القضايا الإقليمية والدولية. فالسعودية وباكستان شريكان تقليديان؛ تقدم الرياض دعماً اقتصادياً لإسلام أباد، في حين توفر الأخيرة دعماً عسكرياً وأمنياً للمملكة. وفي واقع الأمر، لا تعد "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" سوى نسخة موسعة ومطوّرة من "الاتفاقية الاستراتيجية للدفاع المشترك" الثنائية التي وقعتها السعودية وباكستان في سبتمبر من العام الماضي. أما العلاقة بين السعودية وتركيا، فرغم ما شابها سابقاً من تنافس على زعامة العالم الإسلامي، فقد شهدت انفراجاً منذ عام 2022، ليصبح التعاون البراغماتي هو السمة الغالبة. وفي الوقت نفسه، يتسم التعاون العسكري الصناعي بين تركيا وباكستان بالعمق، مع تواصل مناورات عسكرية مشتركة على المدى الطويل.
ثانياً، الدفاع المشترك يلبي مصالح الدول الثلاث واحتياجاتها الأمنية. وتبدو المملكة العربية السعودية الأكثر إلحاحاً في حاجتها إلى هذا الاتفاق. ففي سياق الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تحولت السعودية، بسبب وجود قواعد أمريكية على أراضيها، إلى هدف رئيسي للضربات الإيرانية، وتعرضت عدة منشآت طاقة لأضرار. ومع تراجع موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، باتت الرياض في أمس الحاجة إلى بدائل متنوعة. ومن زاوية تركيا، وهي عضو في الناتو، لكنها تعاني من خلافات مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما ظل مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي متوقفًا منذ زمن، لذلك اتجهت إلى توسيع نفوذها داخل العالم الإسلامي. فضلاً عن ذلك، تتزايد التحديات الأمنية المحيطة بتركيا، ولا سيما تصاعد مخاطر اندلاع مواجهة مع إسرائيل، ما يجعل الاتفاق أداة لردع الخصوم المحتملين وحماية أمنها الذاتي. وبالنسبة لباكستان، يتيح لها الاتفاق تجاوز الإطار الأمني التقليدي الموجه أساساً نحو جنوب آسيا، ويوفر لها ركيزة أمنية جديدة ومنصة تعاون داخل العالم الإسلامي. وعلاوة على ذلك، بما أن باكستان تحتفظ بقنوات تواصل جيدة مع كل من إيران والولايات المتحدة، فإن توقيع الاتفاق يمكّنها من أداء دور أكثر فاعلية كجسر دبلوماسي ووسيط في المشهد الإقليمي الراهن، بما يعزز نفوذها الدولي.
ثالثاً، تكامل مزايا القدرات بين الدول الثلاث. السعودية، بفضل ملاءتها المالية القوية وكونها محور التأثير في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يمكنها أن توفر للتحالف الثلاثي دعما ماليا وفضاء دبلوماسيا وإسنادا معنويا. وتمتلك تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية تقليدية في الناتو، ومنظومة صناعات عسكرية متكاملة، وقدرة على تطوير وتصنيع المعدات القتالية الرئيسية، إضافة إلى خبرة واسعة في العمليات العابرة للحدود وقدرة بارزة على إسقاط القوة إقليمياً، ما يجعلها قادرة على تقديم التكنولوجيا الدفاعية والخبرة القتالية. أما باكستان، فهي الدولة الوحيدة المسلحة نووياً في العالم الإسلامي، بجيش ذي خبرة قتالية واسعة، وقادرة على توفير ردع نووي. وبتضافر الأطراف الثلاثة، تتشكل بنية تكاملية في القدرات تقوم على "رأس المال + التكنولوجيا العسكرية + الردع النووي".
إن توقيع هذه الاتفاقية يحمل دلالة بالغة الأهمية، إذ يظهر أن الاستراتيجية الأمنية لدول الشرق الأوسط تتحول من التبعية الأمنية إلى الاستقلالية الأمنية. فعلى مدى العقود الماضية، ظلت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، تُسند شؤون أمنها ودفاعها إلى الولايات المتحدة، بوصفها قوة كبرى من خارج المنطقة، مقابل الحصول على حماية خارجية عبر توقيع اتفاقيات دفاع ثنائية والسماح بتمركز قوات أجنبية على أراضيها. غير أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، القائمة على الهيمنة والانحياز إلى إسرائيل، تتعارض في جوهرها مع المصالح الحيوية للعالم العربي. والواقع أن البنية الأمنية التي شيدتها واشنطن تحت عنوان "أمريكا–إسرائيل–دول الخليج" هي في جوهرها "تحالف هرمي"، تحتل فيه دول الخليج موقعا أدنى. وقد أظهر الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أن واشنطن، عندما تواجه نقصًا في ذخائر الاعتراض، تعطي الأولوية لحماية أمنها ومصالحها وأمن إسرائيل ومصالحها، بينما تُهمَّش بشدة الشواغل الأمنية للسعودية وغيرها من دول الخليج. ومع تراكم هذه التجارب، أدركت هذه الدول تدريجيًا أن التعهدات الأمنية للقوى الكبرى من خارج المنطقة ليست موثوقة، وأنه لا ينبغي "وضع كل البيض في سلة واحدة"، وأن عليها بناء آليات أمنية متعددة، ولا سيما عبر التعاون الداخلي بين دول المنطقة، للتحوط من حالة عدم اليقين التي تحيط بالتعهدات الخارجية. وتعد "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" اتفاقاً أمنياً متعدد الأطراف بادرت إليه قوى كبرى في العالم الإسلامي بصورة مستقلة، وتفاوضت عليه بصورة مستقلة، ووقعته بإرادتها المستقلة، ما يمثل علامة على أن دول الشرق الأوسط بدأت تشارك بفاعلية في تشكيل بيئتها الأمنية الإقليمية، وأن استراتيجيتها الأمنية تتسارع في الانتقال من التبعية إلى الاستقلالية.
فضلًا عن ذلك، يعكس توقيع هذه الاتفاقية تحولًا عميقًا في المفهوم الأمني لدول الشرق الأوسط، من منطق "اللعبة الصفرية" إلى "الأمن المشترك". فطوال عقود، اضطلعت الولايات المتحدة بدور الصانع الرئيسي للنظام الأمني في الشرق الأوسط، وكانت منظومة التحالفات الإقليمية التي تقودها تتمحور حول هدف أساسي هو الاحتواء الشامل لإيران، وتحمل طابعًا إقصائيًا قويًا وصبغة واضحة للمواجهة بين المعسكرات. وقد شاركت دول الخليج في هذه المنظومة، فتحولت موضوعيًا إلى أداة أمريكية لاحتواء إيران. غير أن هذا النوع من منظومات التحالف القائمة على المواجهة لا يؤدي إلا إلى زيادة شعور إيران بانعدام الأمن، وتحفيزها على تعزيز قوتها العسكرية وتوسيع "محور المقاومة"، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تصاعد حلزوني لمعضلة الأمن الإقليمي، حتى تندلع نيران الحرب. وباعتبار السعودية وغيرها من دول الخليج حلقة مهمة في منظومة التحالف العسكري التي تقودها الولايات المتحدة، فقد أصبحت بطبيعة الحال أهدافًا للضربات الإيرانية. وبعد استخلاص الدروس من التجربة المؤلمة، بدأت الرؤية الأمنية لدول الشرق الأوسط تتغير. ورغم أن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" هي أيضًا اتفاقية دفاع جماعي، فإنها تتموضع كآلية دفاعية لا تستهدف دولة بعينها، وهو ما لا يساعد فقط على ردع المغامرات العسكرية ضد الدول الثلاث المذكورة، بل يفتح أيضًا مسارًا جديدًا لاستكشاف آلية أمن جماعي في الشرق الأوسط. وبدأت دول الشرق الأوسط تتحرر من إطار الأصدقاء والأعداء الذي ترسمه الهيمنة الخارجية، وتحاول الإمساك بزمام المبادرة في تقرير مصيرها الأمني.
ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" لا تزال في الوقت الراهن مجرد بداية لبناء آلية أمنية مستقلة في الشرق الأوسط، وأن تنفيذها اللاحق ما زال يواجه بعض التحديات. أولًا، تعكس الاتفاقية حاليًا بدرجة أكبر توافقًا سياسيًا ودفاعيًا على المبادئ، لكنها تفتقر إلى التزامات عسكرية صلبة قابلة للتنفيذ ومنظومة قيادة موحدة. ثانيًا، قد تثير هذه الاتفاقية ردود فعل داخل المنطقة وفي محيطها، إذ تبدي إيران وإسرائيل والهند وغيرها حذرًا شديدًا تجاهها في الوقت الراهن. ثالثًا، تتسم العمليات العسكرية للعديد من الفاعلين من غير الدول في المنطقة، بمن فيهم الحوثيون، بدرجة عالية من العشوائية، ولا تزال الدول الثلاث تفتقر إلى تصور واضح بشأن كيفية التعامل مع هذا النوع من الهجمات. وأخيرًا، تحتفظ السعودية وتركيا وباكستان جميعًا، في الوقت نفسه، بعلاقات تعاون أمني وثيقة مع الولايات المتحدة، ولا يعني توقيع الدول الثلاث اتفاقًا دفاعيًا أنها تريد "الانفصال عن الولايات المتحدة" بالكامل. وما زالت الولايات المتحدة تحافظ في الشرق الأوسط على منظومة تحالفات هرمية وتصادمية، وهو ما قد يربك أو يعوق دفع اتفاق الدفاع الجماعي بين الدول الثلاث، ويجعل الشرق الأوسط يشهد وضعًا تنافسيًا تتوازى فيه عدة آليات أمنية.
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |