share
arabic.china.org.cn | 03. 08. 2026

حول النهضة الريفية في الصين

arabic.china.org.cn / 16:41:23 2026-08-03

3 أغسطس 2026 /شبكة الصين/ في شهر مايو 2026، تلقيت دعوة كريمة من صحيفة ((هوانتشيو "غلوبال تايمز")) الصينية، للمشاركة في سلسلة مقالات بعنوان "فك شفرة كتاب ((شي جين بينغ.. حول الحكم والإدارة))"، وهو مشروع مشترك بين ((غلوبال تايمز)) وصحيفة ((الشعب اليومية)). وهنا أعرض للأسئلة التي تم طرحها في هذا السياق من جانب صحيفة ((غلوبال تايمز))، والإجابات التي قدمتها.

السؤال: يقدم كتاب ((شي جين بينغ.. حول الحكم والإدارة)) أفكار الرئيس الصيني شي جين بينغ المهمة حول تنمية الريف. بالاستناد إلى مراجعتك لترجمة هذا العمل وخبرتك الميدانية في المناطق الريفية بالصين، كيف تقيم تحول المناطق الريفية الصينية في العقود الأخيرة؟ وهل يمكنك مشاركة بعض الحالات أو القصص المحددة التي تركت أثرا عميقا في نفسك؟

الإجابة: في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2025، لم أستطع إلا أن أتوقف عند خبر كان عنوانه الرئيسي: "افتتاح أعلى جسر في العالم أمام حركة المرور في مقاطعة قويتشو بجنوب غربي الصين". كانت قويتشو أول مكان زرته بعد وصولي إلى الصين في عام 1992، حين كانت لا تزال مقاطعة مهمشة وفقيرة. في ذلك الوقت، لم أر سوى جبال شاهقة خضراء تنتشر فيها بنايات بدائية وقرويين يعيشون في بيوت أشبه بالكهوف، بلا طرق ولا كهرباء ولا اتصالات. حتى أنني حملت على نقالة من قبل رجال محليين للوصول إلى القرى.

على مدى العقود التالية، شهدت تحولا هائلا في المنطقة: طرق وجسور ومدارس ومصانع ومكتبات، ومساحات خضراء. وبحلول عام 2020، حققت قويتشو إنجازا باهرا بالتخلص من الفقر المدقع وفقا للمعايير الوطنية. من الحمل على نقالة خشبية إلى عبور وادي هواجيانغ الكبير في دقيقتين فقط بدلا من ساعتين، تعد رحلة قويتشو شهادة قوية على تحول الصين، وتذكرنا بالمثل القائل: عندما تعبر النهر، تذكر أولئك الذين بنوا الجسر. هذا الجسر هو برامج الصين للتخفيف من حدة الفقر وإنهاض الريف.

السؤال: كان عام 2025 العام الأخير من المرحلة الانتقالية الخمسية لترسيخ وتوسيع نطاق إنجازات الحد من الفقر ودمجها مع تنمية الريف. ابتداء من عام 2026، تعمل الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين على تعزيز نقاط الضعف في الزراعة والمناطق الريفية، ودفع عجلة التحديث الزراعي والريفي، ودعم التنمية الريفية الشاملة. في رأيك، كيف سيختلف تركيز تنمية الريف في هذه المرحلة عن تركيزه في مرحلة الحد من الفقر؟ وما هي توقعاتك بشأن مستقبل تنمية المناطق الريفية في الصين؟

الإجابة: يدعو تقرير أعمال الحكومة الصينية لعام 2026 إلى حملة شاملة لإنهاض الريف. ويؤكد التقرير على ضرورة إبقاء العمل المتعلق بالزراعة والمناطق الريفية وسكان الريف على رأس الأولويات. كما يدعو إلى تقديم مساعدات منتظمة ومستهدفة لترسيخ المكاسب المحققة في التخلص من الفقر ومنع أي انتكاسة واسعة النطاق، فضلا عن مواصلة تعزيز الإصلاح والتنمية الريفية.

وقد نجحت حملة الصين للتخفيف من حدة الفقر في التخلص من الفقر المدقع وتلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية لسكان الريف، مما أرسى أساسا متينا للتنمية المستقبلية. وتمثل إستراتيجية إنهاض الريف استمرارا فعالا لهذا الجهد، إذ تحول التركيز من الحد من الفقر وحده إلى نهج شامل للتنمية الريفية يعزز النهضة الصناعية والثقافية والإيكولوجية والاجتماعية معا. وبعبارة أخرى، فإن إنهاض الريف يتجاوز بكثير مجرد سياسة اقتصادية أو زراعية؛ فهي فلسفة أوسع نطاقا تعلي من شأن الريف باعتباره فضاء للحياة والكرامة والثقافة. لذا، فإن إنهاض الريف في الصين هو جهد لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة الإيكولوجية والمحافظة على التراث الثقافي، وذلك من خلال دمج التكنولوجيا والتنمية الخضراء وصون التراث الثقافي وتنمية الصناعات والعلامات التجارية التقليدية. لا تقتصر جهود الصين على رفع دخل المزارعين فحسب، وإنما أيضا تشمل تحسين مستوى معيشتهم وإنشاء مجتمعات ريفية نظيفة وجميلة وصالحة للعيش، مما يساعد سكان الريف على الشعور بمزيد من الرضا والأمان والتواصل مع المستقبل.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك برنامج النهضة الريفية الخضراء، الذي أطلقه الرئيس شي جين بينغ في عام 2003 خلال فترة توليه منصب الأمين العام للجنة الحزب الشيوعي في مقاطعة تشجيانغ، مشروع "بناء ألف قرية ومعالجة عشرة آلاف قرية"، وفي عام 2005 طرح في قرية يويتسون بمحافظة آنجي المفهوم الأساسي:"المياه الصافية والجبال الخضراء هي جبال من الذهب والفضة"، مؤكدا على التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة. وبالنظر إلى المستقبل، أعتقد أن الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية سوف تتقلص أكثر خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، مما يشكل إنجازا تاريخيا آخر لا يقل أهمية عن الحد من الفقر نفسه.

السؤال: أظهرت تجربة الصين أن الفقر ليس مصيرا محتوما للمناطق الريفية، بل هو تحد يمكن التغلب عليه وتجاوزه من خلال مناهج علمية ومنهجية. وقد أشار الرئيس شي جين بينغ إلى أن "التخفيف المستهدف للفقر أثبت أنه السلاح الأمثل لكسب المعركة ضد الفقر، في حين برز النهج القائم على التنمية كسمة مميزة لمسار الصين نحو الحد من الفقر" (المجلد الرابع). كما تركز إستراتيجية إنهاض الريف على تطوير قوى منتجة حديثة النوعية عالية الجودة في الزراعة وفقا للظروف المحلية، وتقديم مساعدات موجهة للأسر الريفية. في رأيك، ما أهمية هذا النهج الموجه لفهم الأساس العلمي واستدامة إنهاض الريف في الصين؟ إضافة إلى ذلك، هل هناك تصميمات مؤسسية أو منهجيات أخرى أثارت إعجابك؟

الإجابة: أثبتت التجارب الصينية أن الفقر ليس مصيرا محتوما للمناطق الريفية. فبالرؤية الثاقبة والمنهجيات العلمية والالتزام الطويل الأمد، يمكن حتى لأكثر المناطق الريفية تخلفا أن تصبح مراكز نابضة بالحياة والازدهار. يُعزى أحد الأسباب الرئيسية وراء نجاح الصين إلى أن جهودها في مجال الحد من الفقر وإنهاض الريف تستند إلى سياسات مستهدفة وتتفق مع الظروف المحلية، في مزيج من التوجيه الوطني القوي والمرونة المحلية. وتعد مقاربة "الحد من الفقر القائم على الصناعة" نموذجا تنمويا بالغ الأهمية. وكما أكد الرئيس شي جين بينغ، فإن "تطوير الصناعات يمثل الأولوية القصوى في النهضة الريفية". وقد طورت الحكومات المحلية في جميع أنحاء الصين صناعات متخصصة تتناسب مع الظروف الإقليمية، مما خلق مصادر دخل مستدامة للمزارعين وعزز قدرة المناطق التي كانت تعاني من الفقر على تحقيق التنمية الذاتية. وتحظى هذه الصناعات الريفية أيضا بدعم من سلاسل إمداد متكاملة وخدمات لوجستية حديثة، تشمل التعبئة والتغليف والنقل والتجارة الإلكترونية والتسويق، وأنظمة الدفع الرقمي. حتى أن بعض رجال الأعمال في بلدي أخبروني بأنهم باتوا يستوردون المنتجات مباشرة من قرى في مقاطعتي قوانغدونغ وتشجيانغ، مندهشين من أن الجودة هي نفسها ولكن بأسعار أقل وقدرة تنافسية متزايدة. وبهذه الطريقة، لا يقتصر دور القرويين على الاستفادة السلبية، بل يصبحون مشاركين فاعلين في التنمية، قادرين على الاعتماد على أنفسهم وتحقيق نمو مستدام.

ومن السمات البارزة الأخرى، في رأيي، الدور المحوري الذي يلعبه العلم والتكنولوجيا في التحديث السريع للزراعة. ويعكس هذا تطبيقا لمفهوم "القوى المنتجة الحديثة النوعية" العالية الجودة في التنمية الريفية، والتي تتميز بالتكنولوجيا المتقدمة والكفاءة والابتكار. وبفضل الاختراقات التكنولوجية والاستخدام الأمثل للموارد والارتقاء بالصناعة، تعيد هذه "القوى المنتجة الحديثة النوعية" تشكيل أنماط التنمية الريفية التقليدية.

السؤال: في كل مرحلة من مراحل تطورها، أولت الصين أهمية قصوى للقضايا المتعلقة بالزراعة والمناطق الريفية وسكانها. وخلال مسيرة بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل، أكد الرئيس شي جين بينغ أنه "لا يمكن بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل من دون ريف ينعم بالحياة الرغيدة". وأشار أيضا إلى أن "نهضة الريف مهمة شاملة وتاريخية للتحديث الاشتراكي" (المجلد الثالث). في رأيك، لماذا أولت الصين أهمية قصوى لتخفيف حدة الفقر في الريف وإنهاضه ضمن إستراتيجيتها التنموية الشاملة؟ وكيف يكشف هذا التركيز المستمر على التنمية الريفية عن فلسفة الحوكمة في الصين؟

الإجابة: منذ عام 1982، دأبت الوثيقة المركزية رقم 1، التي تصدر سنويا عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، على التركيز على الزراعة والمناطق الريفية والمزارعين، مؤكدة على الأهمية البالغة التي توليها الصين للتنمية الريفية ورفاه المزارعين. ويعكس هذا التركيز المستمر المكانة المحورية للتنمية الريفية في أجندة الحكم في الصين. فمن جهة، وكما يقول المثل الصيني القديم "الطعام هو سماء الشعب"، ترتبط التنمية الريفية ارتباطا وثيقا بالأمن الغذائي الوطني والاستقرار الاجتماعي الشامل. ومن جهة أخرى، ونظرا لقاعدة سكان الريف الهائلة في الصين، لا تعد المناطق الريفية مجرد أساس للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، بل أيضا الساحة الأوسع لتحسين سبل عيش الناس وتحقيق التنمية البشرية في البلاد.

من مكافحة الفقر إلى إنهاض المناطق الريفية، يتم التعامل مع التنمية الريفية كمسؤولية وطنية طويلة الأمد، وليست مجرد مشروع قصير الأجل. يظهر هذا الالتزام الطويل الأمد أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وفي القلب منها الرئيس شي جين بينغ، قد وضعت الرخاء المشترك في مكانة أكثر بروزا، ساعية إلى سد الفجوة بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية، والسعي لتحقيق تنمية متوازنة وشاملة تعود بالنفع على الجميع. ويكمن جوهر هذا الالتزام في فلسفة محورها الإنسان، تتخذ من تحسين رفاه الناس وتعزيز التنمية البشرية الشاملة نقطة انطلاق وهدفا نهائيا للتقدم الاقتصادي، بما يضمن عدم تخلف أحد عن ركب التحديث.

السؤال: برأيك، هل هناك مناهج أو مفاهيم حوكمة معينة وراء جهود الصين لإنهاض المناطق الريفية يمكن أن تقدم دروسا مفيدة لدول الجنوب العالمي؟

الإجابة: تقدم إستراتيجية الصين لإنهاض الريف، إلى جانب حملتها لمكافحة الفقر، دروسا قيّمة للعديد من دول الجنوب العالمي. ومن أهم هذه الدروس ضرورة ترسيخ مبدأ الحد من الفقر مؤسسيا، ودمجه في أنظمة الإدارة المحلية وخطط التنمية الوطنية الطويلة الأجل، بدلا من اعتباره حملة مؤقتة. وقد ألهمت إنجازات الصين العديد من دول الجنوب العالمي، بما فيها مصر، التي أطلقت مبادرة "حياة كريمة" في عام 2019 لتحسين مستويات المعيشة في المجتمعات الريفية الهشة.

ومن الجوانب المهمة الأخرى تركيز الصين على التكنولوجيا والتنمية التي تتمحور حول الإنسان. فقد عززت الصين دور التكنولوجيا الزراعية في رفع الإنتاجية والأمن الغذائي، وشجعت في الوقت نفسه مشاركة المجتمعات المحلية والمنظمات الاجتماعية والنساء في إدارة وتنمية الريف. وهذا يضمن استدامة وشمول عملية إنهاض المناطق الريفية.

كما تُرجمت تجربة الصين إلى تعاون ملموس ونتائج تنموية حقيقية في العديد من دول الجنوب العالمي من خلال ربط البنية التحتية والاستثمار الصناعي والتعاون التجاري الإقليمي. ومن خلال التعاون العملي في مجالات مثل الزراعة والطاقة والتصنيع والنقل، أسهمت الصين في تحسين القدرات التنموية المحلية وخلق فرص عمل، وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق في العديد من الدول النامية. في الوقت نفسه، تعاظمت أهمية التعاون الزراعي وتبادل المعرفة. فمن خلال مبادرات مثل مبادرة التنمية العالمية، تولي الصين أهمية كبيرة للحد من الفقر والتنمية الريفية، مع تدريب أعداد كبيرة من المتخصصين في مجالات مثل التكنولوجيا الزراعية وتوظيف الحوكمة للحد من الفقر. وتقدم هذه التجارب نقاطا مرجعية عملية لدول الجنوب العالمي الساعية إلى مسارات تنموية مستقلة ومستدامة.

وختاما، فإن هذه رؤية لعل فيها ما يمكن أن يفيد دول الجنوب العالمي ومنها الدول العربية التي تسعى إلى تحقيق التنمية الشاملة من منظور وطني يراعي ظروفها المحلية وقدراتها وإمكاناتها الكامنة. 

(مصدر: الصين اليوم) 

   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号