share
arabic.china.org.cn | 03. 08. 2026

الفناء.. موطن الروح المشترك للإنسانية

arabic.china.org.cn / 13:30:49 2026-08-03

3 أغسطس 2026 /شبكة الصين/ في عمق أحد الأزقة الهادئة في بكين، تتسلل أشعة الشمس عبر أغصان الأشجار المعمرة، لتلقي بظلالها المتقطعة على الجدران الرمادية اللون لدار رباعية (سيخيوان). ما إن تفتح الباب الكبير المكتسي باللون الأحمر، حتى تدلف إلى عالم مختلف تماما؛ الدار الرباعية. في فناء الدار، تتدلى ثمار الرمان الحمراء الناضجة، وتسبح أسماك الزينة ببطء في حوض خزفي، بينما يجلس عجوز على كرسي من الخيزران يهوي نفسه بمروحة، ويستمتع طفلان بلعبة الحجلة على البلاط الحجري للفناء. هذا هو المشهد الأكثر دفئا وروعة في بكين القديمة.

تعد الدار الرباعية في بكين نموذجا للعمارة السكنية التقليدية الصينية. يتبع توزيعها بدقة مبدأ التماثل حول المحور المركزي: يقع الباب الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ومن خلفه جدار حاجب مزخرف (ينغبي)، ومن بعده على اليسار الفناء الأمامي، ثم باب مزين بأعمدة الزهور المُعلقة يقود إلى الفناء الرئيسي. تقع الغرف الرئيسية في الجهة الشمالية من الفناء، وتواجه الجنوب، وهي مخصصة لكبار أفراد العائلة؛ بينما الغرف الجانبية الشرقية والغربية مخصصة للأبناء؛ أما الغرف الجنوبية المواجهة للشمال فتستخدم كغرف ضيافة أو مكتب. تواجه كل المباني فناء الدار، لتشكل وحدة معمارية متكاملة تحتضن حياة الأسرة.

هذا التوزيع ليس عشوائيا، بل هو تجسيد مادي للمفاهيم الثقافية التقليدية الصينية. تؤكد الفلسفة الكونفوشية على مبدأ "التمييز بين الداخل والخارج" و"ترتيب الأكبر والأصغر"، وقد جسد توزيع الدار الرباعية هذا النظام الأخلاقي تماما. كما أن فكرة "الوحدة بين السماء والإنسان" الطاوية قد طبعت نفسها بعمق في تصميم الدار الرباعية: فالدار الرباعية ليست مجرد مكان للعيش، بل هي نموذج مصغر للكون. يمثل البلاط الحجري المربع الأرض، وتعبر منحنيات السقف عن السماء، بينما تعد النباتات والأحواض المائية في فناء الدار تعبيرا عن إجلال الطبيعة الجبلية والمائية.

يتذكر الجد تشانغ، وهو من أبناء بكين القدامى، طفولته التي قضاها في الدار الرباعية قائلا: "في أشد أيام الصيف حرا، كنا ننقل الأسرّة إلى فناء الدار، وتنام الأسرة بأكملها تحت سماء مرصعة بالنجوم. كانت جدتي تحكي لنا قصة العاشقين نيو لانغ وتشي نيوي، بينما كان والدي يرشدنا إلى تمييز نجوم الدب الأكبر. كانت شجرة العنّاب في فناء الدار تفوح بعطرها حين تتفتح أزهارها في الربيع، وفي الخريف كنا نهز الشجرة ليتساقط العنّاب، وكان ذلك أسعد أوقاتنا نحن الأطفال." وقد صور الأديب الصيني الكبير لاو شه هذا المشهد الإنساني الدافئ في عدد من أعماله الأدبية، مجسدا الحياة اليومية في الدار الرباعية بكل ما تحمله من دفء وألفة. ويكمن سحر الدار الرباعية في فلسفة "الخفاء والظهور"؛ فالجدار الخارجي المرتفع يعزلها عن صخب الشوارع وضجيج المدينة، بينما ينفتح فضاؤها الداخلي على عالم رحب، يربط الإنسان بالطبيعة ويمنحه شعورا بالتوازن بين الخصوصية والجمال الطبيعي.

في قلب مدينة فاس في المغرب، تختبئ عوالم أخرى خلف متاهة أزقتها. ما إن تتجاوز بابا خشبيا متواضعا، حتى تنفتح أمامك مساحة رحبة: فناء بديع الجمال تتوسطه نافورة مزينة بأشكال هندسية، يتدفق منها خرير الماء؛ وتحيط به أروقة أنيقة، ويغطي جدرانه بلاط بألوان زاهية؛ ويفوح منه عبق أشجار البرتقال والياسمين. يجلس أفراد العائلة حول وسائد منخفضة، يحتسون الشاي بالنعناع والحلوى، بينما يلعب الأطفال بجانب بركة الماء.

ورغم أن هذين الفضاءين يفصل بينهما أكثر من عشرة آلاف كيلومتر، فإنهما يتشابهان على نحو لافت. فكلاهما فضاء معماري متجه نحو الداخل، ويمثل الفناء مركز الحياة الأسرية، وكلاهما يحمل ذاكرة ثقافية عميقة ومشاعر قوية. كلمة "رياض" مشتقة من اللغة العربية، ومعناها الأصلي هو "الحديقة" أو "الفناء"، وتستخدم في السياق المعماري المغربي للإشارة إلى مسكن تقليدي يقوم على تصميم متجه نحو داخل ويتوسطه فناء. على غرار الدار الرباعية، تطل جميع غرف الرياض بنوافذها على الفناء المركزي، بينما نادرا ما توجد نوافذ تطل على الشوارع الخارجية. تتكون البناية عادة من طابقين أو ثلاثة، تحيط بها أروقة مزخرفة بأقواس منحوتة. في القارة الأفريقية الجافة، تؤدي النافورة الموجودة في الفناء وظيفة عملية في تقليل الحرارة وزيادة الرطوبة، كما أن الماء يرمز إلى الحياة في الثقافة الإسلامية؛ أما أشجار البرتقال والياسمين فتوفر الظل وتفوح رائحتها العطرة طوال العام.

على الرغم من اختلاف الخلفيات الثقافية، تشترك الدار الرباعية الصينية ورياض المغرب في فلسفة مكانية متشابهة. فالتوجه نحو الداخل هو السمة الأبرز لهذين النوعين من الأفنية. كلاهما "يدير ظهره للعالم الخارجي، ويتجه بوجهه نحو الفضاء الداخلي"، مكونا عالما مصغرا قائما بذاته. وهذا التوجه نحو الداخل ليس مجرد خيار معماري، بل هو انعكاس لمنظومة ثقافية متجذرة. في الثقافة الصينية التقليدية، يعد "الكتمان وعدم التباهي" فضيلة؛ وفي الثقافة الإسلامية، تعد حماية خصوصية الأسرة مطلبا دينيا واجتماعيا. يلبي التصميم المتجه نحو الداخل للفناء هذين المطلبين الثقافيين في آن واحد: وهما المحافظة على الخصوصية والشعور بالأمان. إضافة إلى ذلك، فإن الاندماج مع الطبيعة هو من أروع سمات هذين الطرازين المعماريين. سواء كانت شجرة الرمان وحوض أسماك الزينة في الدار الرباعية، أو النافورة وأشجار البرتقال في رياض المغرب، فقد تم دمج العناصر الطبيعية بمهارة داخل الفضاء المعماري. وهذا الاندماج ليس مجرد إضافة زخرفية أو لمسة خضراء، بل يجعل الطبيعة جزءا لا يتجزأ من البناء، ويخلق بيئة يتعايش فيها الإنسان والطبيعة في انسجام.

الفناء ليس مجرد حيز مادي، بل هو مسرح للحياة الأسرية ووعاء للمشاعر العائلية. في الدار الرباعية، يعد الفناء مركز الأنشطة الأسرية: الفناء هو مكان لم شمل الأسرة في عيد الربيع ومشاهدة القمر في عيد منتصف الخريف وتناول الطعام وتجاذب أطراف الحديث يوميا ولعب الأطفال وتعليمهم. كما أن توزيع الغرف يعزز العلاقات الأسرية: حيث يسكن الكبار في الغرفة الشمالية الرئيسية، ويسكن الصغار في الغرف الجانبية، وهذا الترتيب يؤكد ضمنيا النظام الأخلاقي للأسرة. تقول السيدة لي التي نشأت في دار رباعية ببكين: "لقد علمتني الدار الرباعية معنى الأسرة، فبفضل تقاسمنا لهذا الفضاء، تعلمنا كيف نحترم بعضنا البعض ونعتني ببعضنا البعض. في أمسيات الصيف، كانت الأسرة بأكملها تجلس في الفناء للاستمتاع بالنسيم، بينما كان جدي يحكي لنا قصصا من فترة شبابه؛ وفي الشتاء، كنا نجتمع لنصنع الرجل الثلجي في الفناء. هذه الذكريات أغلى من أي ثروة مادية." أما الرياض المغربي التقليدي، فقد حمل أيضا حياة تمتد لأجيال متعددة تحت سقف واحد، حيث كان الفناء المركزي هو مكان استقبال الضيوف وتناول الطعام والأعمال اليدوية ولعب الأطفال.

في عالم خارجي مليء بالضجيج والصخب، يوفر الفناء ملاذا آمنا للبحث عن السكون الداخلي. وهذا السكون لا يعني الهدوء المكاني فحسب، بل يشير أيضا إلى طمأنينة القلب وانسجام النفس. وتؤكد الثقافة الصينية التقليدية على أهمية "تهذيب الذات وتزكية الروح"، ويشكل الفناء فضاء أساسيا لتحقيق هذا الهدف. في الدار الرباعية، يمكن للناس أن يزرعوا الأزهار ويعتنوا بالنباتات، ويتأملوا الأسماك ويستمتعوا بضوء القمر، ويرتشفوا الشاي ويطالعوا الكتب، فيصلوا من خلال هذه الأنشطة إلى السكون الباطني. وهذا السعي إلى السكون الداخلي يزداد قيمة في مجتمعنا المعاصر السريع الإيقاع والمليء بالضغوط. ففي زمن تحيط بنا فيه الشاشات الإلكترونية من كل جانب، وتقصفنا تيارات المعلومات التي لا تنتهي، يوفر الفناء فضاء "للتخلص من السموم الرقمية"، يتيح لنا إعادة التواصل مع الطبيعة ومع أنفسنا وأسرنا. الأهم من ذلك، أن القيم التي تجسدها الدار الرباعية الصينية ورياض المغرب، من الاهتمام بالأسرة واحترام الطبيعة والسعي إلى السكون الداخلي، تتجاوز الأشكال المعمارية المحددة، لتصبح حكمة حياتية عامة. وفي عصرنا الحالي، الذي تطغى عليه المادة ويعاني من القلق الروحي، تبدو هذه الحكمة أكثر قيمة من أي وقت مضى.

من أزقة بكين إلى مدينة فاس العتيقة، ومن الدار الرباعية في الصين إلى رياض المغرب، تروي الأفنية، بأشكالها المختلفة، نفس الحلم الإنساني المشترك: الحنين إلى الدفء الأسري، والشوق إلى الطبيعة، والسعي إلى السكينة. هذه الأفنية ليست مجرد تحف معمارية، بل هي أوعية للثقافة ومراسي للعواطف ومسرح تتجسد عليه تفاصيل الحياة اليومية. تحت شجرة الرمان في الدار الرباعية بالصين، وبجانب النافورة في رياض المغرب، تتوالى الأجيال: تولد وتنمو وتشيخ. يتعلم هنا الإنسان كيف يكون محبا ومحبوبا، ويتعايش مع الأفراح والأتراح، ويدرك معنى التقاليد والتجديد. تشهد الأفنية أفراح العائلات وأحزانها، وتسجل تحولات الثقافة وتطورها، وتحافظ أيضا على تلك المشاعر الرقيقة في قلوب كل إنسان، والحنين العميق إلى الموطن.

مهما تغير الزمن، ومهما تقدمت التكنولوجيا، فلن يتغير أبدا شوق الإنسان إلى الدفء الأسري وقربه من الطبيعة وسعيه إلى السكون. وسيظل الفناء، بوصفه تجسيدا ماديا لهذا التوق، يحتفظ بمكانة فريدة وثمينة في الحضارة الإنسانية. عندما نجتاز المدن الحديثة المزدحمة، قد يكون من الجميل أن نتوقف لحظة، ونتخيل بابا يفضي إلى فناء، حيث تتسلل أشعة الشمس عبر أوراق الشجر، ويتدفق خرير الماء فوق درجات السلم الحجرية، وتتردد ضحكات الأسرة الدافئة، ويعم السكون الذي طالما افتقدناه في قلوبنا. هذا ربما يكون موطننا الروحي المشترك، مهما اختلفت أصولنا، ومهما تنوعت لغاتنا.

--

فنغ بين، باحث مساعد في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.

(مصدر: الصين اليوم) 

   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号