share
arabic.china.org.cn | 03. 08. 2026

التعاون الصيني- الخليجي في بناء البنية التحتية لقوة الحوسبة.. تجربة صناعية للعولمة الجديدة

arabic.china.org.cn / 13:28:00 2026-08-03

3 أغسطس 2026 /شبكة الصين/ في عام 2006، قدم عالم الرياضيات البريطاني كلايف هامبي استعارة باتت تتكرر: البيانات هي النفط الجديد. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد مراكز البيانات مجرد غرف خوادم تقبع خلف شبكات الإنترنت، بل أصبحت بنية تحتية تضاهي في أهميتها شبكات الكهرباء والموانئ.

دول النفط الكبرى تسرع في استثمار قطاع قوة الحوسبة

في السنوات الأخيرة، استثمرت دول الخليج في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، وأصبح بناء مراكز البيانات إجراء مهما لتنفيذ إستراتيجياتها الوطنية. في فعالية "التطوير العالي الجودة للبنية التحتية الرقمية في العالم- محطة الشرق الأوسط"، أشار تشو جي، المدير الإقليمي لفرع أفريقيا والشرق الأوسط في مجموعة الصين للاتصالات "تشاينا تيليكوم" المحدودة، إلى أن عدة عوامل تدفع النمو السريع لسوق مراكز البيانات في الشرق الأوسط، وأبرزها الاقتصاد الرقمي القوي وخدمات الحوسبة السحابية وإنترنت المركبات وتكنولوجيا القيادة الذاتية.

يتطلب بناء المدن الذكية قوة حوسبة هائلة تعمل في الوقت الفعلي، توفرها مراكز البيانات لجمع البيانات ومعالجتها وتبادلها. وسواء أكانت مدينة نيوم المستقبلية التي تبنيها السعودية، أو مشروعات المدن الذكية التي تواصل دولة الإمارات تطويرها، فإن مدن المستقبل ستولد كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي يوميا. فأنظمة إدارة المرور والقيادة الذاتية والرعاية الصحية الذكية والحكومة الرقمية وإدارة الطاقة والإنترنت الصناعي، جميعها تتطلب استجابات في أجزاء من الثانية. وإذا تطلب الأمر نقل البيانات الحساسة عبر الحدود ثم إعادتها للمعالجة، فإن ذلك لا يطيل أوقات الاستجابة فحسب، بل يزيد أيضا من المخاطر الأمنية. لذا، يتطلب تطوير مدن المستقبل وجود قوة الحوسبة بالقرب من مواقع التطبيقات، وستصبح مراكز البيانات المبنية محليا بنية تحتية أساسية للمدن الذكية.

تعد مراكز البيانات أحد متطلبات تحقيق السيادة في البيانات. في السنوات الأخيرة، بدأت دول عديدة تشدد على أهمية السيادة في البيانات. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، وما يرافقه من مجموعات بيانات ضخمة وغير قابلة للتغيير تستخدم لتدريب نماذج اللغة، يبقى الاعتماد على مراكز البيانات الخارجية لمعالجة البيانات في القطاعات الحكومية والطبية والمالية وغيرها من القطاعات الحساسة أمرا صعبا. لا تطمح دول الخليج إلى أن تكون مجرد سوق لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تريد أيضا أن تمتلك القدرة على التحكم في الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، ويعد إنشاء مراكز البيانات المحلية الركيزة الأساسية لتحقيق هذا الهدف.

تواصل السلطات السعودية تعزيز سياسات توطين البيانات، وقد دخل ((قانون حماية البيانات الشخصية)) بالسعودية مرحلة التنفيذ. وأصدرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والهيئة الوطنية للأمن السيبراني آليات تنفيذية مفصلة تتعلق بنقل البيانات العابرة للحدود. وهذا يعني أن توظيف قوة الحوسبة المحلية لم يعد مجرد خيارا لتطوير الصناعات، بل أصبح مطلبا نظاميا.

في الماضي، كان النفط موردا أساسيا للنمو الاقتصادي لدول الخليج. أما اليوم، ومع سعي دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها، فإنها تركز بشكل كبير على تطوير محركات نمو جديدة للاقتصاد الرقمي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مما أضفى قيمة صناعية جديدة على مراكز البيانات. ومنذ إطلاق "رؤية السعودية 2030"، نما قطاع مراكز البيانات في السعودية بمقدار ستة أضعاف، ويوجد حاليا أكثر من ستين مركزا للبيانات قيد التشغيل في السعودية، باستثمارات متراكمة تتجاوز ستة عشر مليار ريال سعودي (حوالي 26ر4 مليارات دولار أمريكي). وفي الوقت نفسه، شهدت سوق مراكز البيانات في الإمارات نموا سريعا، حيث بلغ حجم سوق الإمارات للبنية التحتية لمراكز البيانات حوالي 26ر1 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 3ر3 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2030. ووفقا لتقرير "صناعة مراكز البيانات في الشرق الأوسط لعام 2026"، الصادر عن شركة ريسيرش آند ماركتس، في 9 فبراير عام 2026، من المتوقع أن تتوسع سوق مراكز البيانات في الشرق الأوسط من 05ر3 مليارات دولار أمريكي في عام 2025 إلى 52ر3 مليارات دولار أمريكي في عام 2026، وأن تصل إلى 19ر7 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2031. وتتوقع شركة غارتنر الأمريكية أن ينمو الإنفاق على قطاع أنظمة مراكز البيانات في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا بنسبة 3ر37% في عام 2026، مما يجعله أسرع قطاعات تكنولوجيا المعلومات نموا في المنطقة.

من التعاون في سلسلة التوريد إلى البناء المشترك لسلسلة مراكز البيانات

عند الحديث عن مشاركة الصين في بناء مراكز البيانات في دول الخليج، غالبا ما يتبادر إلى الذهن دور شركات تصنيع المعدات. بيد أن القيمة التي يمكن أن تقدمها الصين تتجاوز ذلك بكثير. تسعى الصين والسعودية والإمارات إلى تطوير نموذج تعاون ناضج، حيث يدير الشركاء المحليون المشروعات، وتوفر الصين حلولا تقنية عالية الكفاءة، ويعمل الجانبان معا على بناء منظومة متكاملة للصناعة الرقمية. أشار ماجد الشهري، المتحدث الرسمي باسم الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، إلى أن الصين شريك مهم للسعودية في مجال الذكاء الاصطناعي وحوسبة البيانات، وتعتبر الهيئة "طريق الحرير الرقمي" إطارا دوليا يدعم مزيدا من الترابط بين البلدين وفرصة مهمة لتعميق التعاون مع الصين في مجالات بناء مراكز البيانات والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

في مايو عام 2026، وقعت شركة هواوي كلاود وشركة GAPP السعودية اتفاقية تعاون إستراتيجي، وعينت شركة GAPP موزعا رسميا لخدمات شركة هواوي كلاود في السعودية. ويعني ذلك أن الشركات الصينية لا تكتفي بالامتثال لمتطلبات توطين البيانات في المملكة، بل تسعى أيضا إلى الحصول على أعلى مستويات شهادات الامتثال للأنظمة واللوائح المحلية، وهو نموذج تعاون يقوده الشريك المحلي، بينما يوفر الجانب الصيني الدعم التقني. شركة GAPP لديها أكثر من عشر سنوات من الخبرة التشغيلية في السوق السعودية، وتغطي مجالات الخدمات المالية والمرافق العامة والتعليم والاتصالات. ومن خلال هذا التعاون، يمكن للشركات المحلية والموزعين الثانويين في السعودية الحصول على جميع خدمات شركة هواوي كلاود عبر شركة GAPP، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية الأصلية والتعافي من الكوارث. توفر منصة "النموذج كخدمة ’MaaS‘" التابعة لشركة هواوي كلاود وصولا عالي الموثوقية ومنخفض زمن الاستجابة إلى النماذج المفتوحة المصدر، بما في ذلك نموذجي DeepSeek-V4 وGLM-5.1. قال هوغو هو، الرئيس التنفيذي لشركة هواوي كلاود في السعودية، إن هذا التعاون سيمنح شركة GAPP والموزعين المحليين مسارات نمو جديدة في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. ومن جانبه، أكد أحمد العظمة، الرئيس التنفيذي للعمليات لشركة GAPP، إلى أن العملاء بحاجة إلى تقنيات آمنة ومتوافقة مع القوانين وسهلة التوسع. وقال: "من خلال دمج أدوات شركة هواوي القوية مع خبراتنا العميقة في السوق المحلية، نساعد الشركات المحلية على تحديث عملياتها بسهولة غير مسبوقة."

مع دخول الذكاء الاصطناعي عصر النماذج الكبيرة، تتزايد تكاليف بناء مراكز البيانات بصورة مطردة، وأصبح تحسين قوة الحوسبة الفعالة لكل وحدة استثمار تحديا عالميا مشتركا. في مايو عام 2026، نشرت شركة هواوي رسميا "قانون تاو (τ) للتوسع" في الندوة الدولية للدوائر والنظم لعام 2026 التي نظمها معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات بالصين. يتمثل جوهر "قانون تاو (τ) للتوسع" في استبدال مفهوم "التصغير الهندسي" بمفهوم "التقليل الزمني"، ليشكل بهذا مبدأ توجيهيا جديدا لتطوير أشباه الموصلات والأنظمة الإلكترونية. يكمن جوهر "قانون تاو (τ) للتوسع" في بناء منظومة تحسين متعددة المستويات، تمتد من مستوى الأجهزة والدوائر والرقائق إلى مستوى النظام عبر تقنيات مبتكرة مثل تقنية "الطي المنطقي". إن فكرة "التركيز على كفاءة النظام"، التي يمثلها "قانون تاو (τ) للتوسع"، يمكن أن تخفض التكلفة الإجمالية للبنية التحتية لقوة الحوسبة، مما يعني أنه بالنسبة للسعودية والإمارات، اللتين تشهدان بناء مراكز البيانات على نطاق واسع، يمكنهما الحصول على قوة الحوسبة الأقوى بتكلفة معقولة من أجل مواجهة تحديات درجات الحرارة المرتفعة واستهلاك الطاقة الكبير في بناء مراكز البيانات في منطقة الخليج.

في السنوات الأخيرة، انخرطت الشركات الصينية بشكل كبير في بناء البنية التحتية الرقمية في منطقة الخليج. ففي قطاع البنية التحتية لخدمات الحوسبة السحابية، أطلقت شركة تنسنت كلاود منطقتين سحابيتين في السعودية في أوائل عام 2025، وأعلنت عن خطط لتوسيع نطاق مشاركتها في تطوير الأعمال المتعلقة بمراكز البيانات في الشرق الأوسط. كما أنشأت شركة علي بابا كلاود منطقة التشغيل لشركاء التعاون في الرياض، وتعمل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي على تعزيز التعاون مع شركة علي بابا كلاود في مجالات الحوسبة السحابية وتحليلات البيانات الضخمة ومنصات الذكاء الاصطناعي. في مجال الطاقة الخضراء وتخزينها، أنشأت شركة هواوي ومركز البيانات للحلول المتكاملة (مورو) مركز البيانات الأخضر في دبي، الذي يعمل بالكامل بالطاقة المتجددة وبسعة تخطيطية مائة ميغاوات. ويجمع المركز بين الطاقة الخضراء والإدارة الذكية وقوة الحوسبة الفعالة لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في مراكز البيانات. ووقعت شركة صن غرو الصينية عقدا مع شركة أبوظبي لطاقة المستقبل "مصدر" لتزويد مشروع "RTC1 Plant" في أبوظبي بأنظمة "PowerTitan 3.0" لتخزين الطاقة بسعة إجمالية تبلغ 5ر7 غيغاوات ساعة، إلى جانب 6ر2 غيغاوات من حلول عاكسات الطاقة الكهروضوئية. بالإضافة إلى ذلك، تشارك العديد من الشركات الصينية في مشروعات بشأن بناء أنظمة تخزين وتجهيزات الطاقة وغيرها. تجاوزت تلك المشروعات التعاونية مجرد توريد المعدات، وأصبحت تعاونا منسقا في سلسلة صناعة مراكز البيانات بأكملها.

مراكز البيانات تكتب فصلا جديدا في مسيرة العولمة

في السابق، كان النظام العالمي لتقنيات الحوسبة يعتمد على عدد محدود من الشركات في بضع دول تحتكر التقنيات الأساسية، مما يجبر الدول الأخرى على شراء منتجاتها والالتزام بأسعارها والتكيف مع معاييرها التقنية. إلا أن الوضع الحالي في مجال بناء مراكز البيانات في منطقة الخليج يقدم منطقا مختلفا.

لا يقتصر التعاون بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي وشركتي هواوي وعلي بابا كلاود على مجرد تقديم الصين لحلول تقبلها السعودية من دون تدقيق، بل إن السعودية حددت هدفها بوضوح في "توطين التقنيات المتقدمة"، وتتعاون مع الصين في مجالات مثل الحوسبة العالية الأداء ومنصات البيانات الضخمة وتبادل الخبرات في إدارة البيانات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. تمتلك دول الخليج موارد رأسمالية وفيرة وأفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم، مما يمنحها ميزة في التحول من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد قائم على قوة الحوسبة. بينما تمتلك الصين خبرات غنية في بناء البنية التحتية لقوة الحوسبة، مثل مشروع "البيانات في الشرق، والحوسبة في الغرب" و"قانون تاو (τ) للتوسع" والقدرة على تغطية سلسلة الصناعة المتكاملة لبناء مراكز البيانات. عندما يلتقي رأس المال الخليجي بالخبرة الصينية، فإن النتيجة ليست مجرد "صفقة"، بل نموذج تعاون جديد حيث يحدد صاحب المال وصاحب التقنية المشروع معا، ويتقاسمان المخاطر والأرباح معا.

لا يفرض هذا النموذج التعاوني على دول الخليج مسارا تقنيا جاهزا، بل يتيح لها الجمع بين الخيارات التقنية المختلفة بما يتناسب مع بيئتها المناخية ومواردها الطبيعية وأهدافها التنموية. الشركات الصينية ليست مجرد مورد للمعدات، بل تقدم أيضا لدول الخليج خيارات متعددة. يعكس هذا النهج رؤية مختلفة لمسار التنمية الرقمية، إذ يشير إلى أن تحقيق قفزات تنموية في العصر الرقمي لا يتطلب بالضرورة اتباع النموذج التقليدي المتمثل في شراء التكنولوجيا أولا ثم السعي نحو التنمية. بل يمكن للدول بناء شراكات مع اقتصادات ناشئة أخرى تواجه تحديات وفرصا مماثلة، واستكشاف نموذج تعاون قائم على الاستفادة من المزايا النسبية لكل طرف، مما يعزز تبادل الخبرات ويحقق التنمية المشتركة.

من المأمول أن تصبح الممارسات التعاونية التي تسجلها الصين ودول الخليج شهادة حية على "العولمة الجديدة" في العصر الرقمي، فهي تثبت أن التعاون التقني بين دول الجنوب العالمي يمكن أن يتجاوز هيكل العولمة القديمة، وينطلق نحو علاقات أكثر عدالة واستدامة. 

(مصدر: الصين اليوم)


   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号