| arabic.china.org.cn | 03. 08. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
3 أغسطس 2026 /شبكة الصين/ اسمي ناصر، من سلطنة عُمان، وكنت طالب دكتوراه في معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين، من دفعة 2017. عندما أسترجع ذكرياتي في المعهد، فإن أول ما يتبادر إلى ذهني هو حديقة ليتشي في شنتشن في يناير عام 2018، وصورة البروفيسور فو جيون، العميد الأكاديمي لمعهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب وأستاذ الاقتصاد السياسي والسياسات العامة في جامعة بكين، وهو واقف بين الحشود ليشرح لنا، نحن الطلاب الدوليين، مسيرة الإصلاح الصيني.
في ذلك اليوم، شرع البروفيسور فو جيون، يروي باللغة الإنجليزية، المشهد الأكثر حسما للإصلاح والانفتاح الصيني. وعندما وصل إلى الحديث عن الكلمة التاريخية التي قالها دنغ شياو بينغ خلال لقائه مع مسؤولي مقاطعة قوانغدونغ عام 1979، عندما اقترح لأول مرة إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة، ارتفع صوته فجأة، ورفع يده بحزم قائلا: "الحكومة المركزية ليست لديها مال، لكن يمكنها أن تعطيكم بعض السياسات، اذهبوا وافعلوا ما بوسعكم، وشقوا طريقكم بأنفسكم!" ثم توقف قليلا، وفسر بعبارات متواضعة هذه الروح الجريئة القائمة على الثقة: "إن لم يكن هناك طريق جاهز، فجربوا بجرأة؛ وإن رأيتم أمرا صوابا، فخوضوا فيه بشجاعة، امشوا على طريقتكم الخاصة، وستجدون في النهاية طريقا جديدا."
كانت نظراته مركزة وقوية، وكل كلمة ينطق بها وقعت كالصخر، بلا زخرفة، لكنها كانت كمفتاح يفتح لنا، نحن الطلاب من بلدان مختلفة، قلب الشجاعة الأعمق للإصلاح الصيني: ألا يكون مقيدا بنمط جامد، بل أن يجرؤ على التجربة في طريق مجهول. أصغينا إليه بكل تركيز، حتى المارة توقفوا لينصتوا بهدوء إلى هذه الفاعلية والجرأة المخبأة في التاريخ. هذا المشهد ظل محفورا في ذاكرتي سنين طويلة، وما زال واضحا حتى الآن عندما أتذكره.
بعد ثلاثة أيام، دخلنا إلى قاعة عرض شركة "بي واي دي". كنت لا أزال شارد الذهن بسبب تكرار تذكري لمشهد البروفيسور فو جيون، وكأنني منفصل عن الواقع، حتى مر فوق رأسي قطار معلق بدون سائق، تلك التكنولوجيا التي كانت فائقة التقدم في ذلك العام، فأعادني فجأة إلى اللحظة الحالية، وشعرت بالدهشة حقا.
لاحقا، عندما عدت إلى عُمان، حدثت زملائي عن القطار المعلق بدون سائق لشركة "بي واي دي"، وعن الابتكار والكفاءة في الصين، وعن منطق التطور الذي يتجاوز خيالهم. لكن ردود أفعالهم جاءت ممزوجة بالدهشة والشك، وكأنهم يرون في حديثي مبالغة أقرب إلى الخيال.
في تلك اللحظة شعرت بما يشعر به الإنسان عندما يتم وصفه باستمرار بقوالب نمطية وتأويله بشكل منقوص، مع قلة فرصة الشرح. ليس لأن ما تقوله خطأ، بل لأن وعي الطرف الآخر ليس لديه مكان لاستيعاب هذه الفكرة. فما يخرج عن المألوف، غالبا ما يقوم الدماغ بتصفيته تلقائيا.
وبالعودة إلى مسار الزيارة الميدانية آنذاك، في المنطقة التجريبية لزراعة البطاطس في بلدة تيتشونغ بمقاطعة قوانغدونغ، وقفت على حافة الحقل. أوضح المسؤول أن المزارعين يزرعون أراضيهم بأنفسهم، بينما تتولى المنطقة توفير الري والتسويق بشكل موحد، ويتم تصدير 30% من المنتجات إلى هونغ كونغ. قرفصت على الأرض، وأخذت قبضة من التراب، كان ناعما ومتجانسا، لا يختلف عن الأرض التي أعرفها في وطني؛ سلطنة عُمان.
عندما رأيت تقنية الري بالتنقيط أمامي، كان أول ما خطر ببالي: هذا النظام يمكن تطبيقه في بلادي أيضا. لكنني أدرك جيدا أن تكلفة نقل النظام بأكمله وتنفيذه لن تكون قليلة. وبالنسبة للمزارعين، فإن التمويل سيكون مشكلة كبيرة.
فتقدمت نحو المرشدة، ووجهت إليها على التوالي عدة أسئلة واقعية: كيف تطبق هذه التكنولوجيا على أرض الواقع؟ كيف يمكن التحكم في التكاليف؟ وفي حال عدم توفر السيولة المالية، هل يمكن استخدامها أولا ثم الدفع لاحقا، والحصول على الدعم أولا ثم التسوية بعد ذلك؟
انتظرت حتى أعاد المترجم صياغة أسئلتي، ثم نظرت إليّ، والتفتت مبتسمة إلى المترجم وسألته: "هل ما قاله هذا الأجنبي للتو هو التأجير التمويلي؟"
وفي تلك اللحظة، أدرك زميلي الإثيوبي أن ما نتحدث عنه هو جوهر مجموعة البنك الإسلامي: الشراكة وتقاسم المخاطر.
في تلك الليلة، عدت إلى الفندق، والتقطت من أرضية الغرفة الورقة التي كنت قد رسمت عليها أثناء شرح مجموعة البنك الإسلامي للتنمية من قبل:
النموذج الغربي: اقتراض المال، فوائد مرتفعة، مضاربة.
النموذج الصيني: سياسات، تقنيات، بشر، ضمانات.
مجموعة البنك الإسلامي للتنمية: شراكة، تقاسم المخاطر.
على الجانب، كانت هناك أيضا مجموعة من الكلمات بلغات مختلفة ورسومات شخبطتها أثناء النقاش.
في معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين، كنا نستخدم وسائل شتى للتواصل وفهم ثقافات وقضايا الآخرين المختلفة. رغم أن لغاتنا وخلفياتنا وتجاربنا مختلفة، فطالما أننا نرغب حقا في فهم الطرف الآخر، يمكننا أن نجد دائما طريقة للوصول إليه. وفي تلك الفترة بدأت أستوعب شيئا فشيئا أن التعاون بين بلدان الجنوب ليس مجرد مشاركة أحادية الجانب من دولة كبرى، وليس فقط التجارب الناجحة التي تستحق أن ترى. فكل واحد منا في وطنه يمتلك طرقا فريدة للتعامل مع مشكلاته، حتى وإن كانت غير تقليدية أو خاصة به، فقد تصبح اتجاها جديدا يحل به الآخرون معضلاتهم. وهذا على الأرجح هو ما كان أساتذتنا يسمونه بالميزة النسبية.
أنا من عائلة مصرفية، فأبي وأجدادي كانوا جميعا من رجال المصارف، وأنا أيضا أعمل في مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، التي لا تقوم على الفائدة، بل على مبدأ الشراكة وتقاسم المخاطر.
نحن لا نكون دائنين، بل شركاء. البنوك التقليدية تأخذ فوائد ثابتة، لا يهمها إن كانت المؤسسة في ربح أو خسارة. أما نحن فنربط مصيرنا بالمؤسسة؛ فهي إن ربحت ربحنا معها، وإن خسرت خسرنا معها.
لكن انهيار أسعار النفط في عام 2016 كشف أيضا وبشكل كامل عن مأزق هذا النموذج.
البنوك الغربية تستطيع تصفية الأصول المتعثرة لحماية نفسها، بينما لا نملك نحن سوى الأمل في إعادة هيكلة الديون وتجاوز المحنة معا. يصفها الآباء بأنها "فضيلة التحفظ"، لكني ممتلئ بالحيرة: لقد درست منطق التمويل الغربي، وعملت لسنوات في البنك الإسلامي المحلي، واعتادت عيناي على منطق المراجحة في النموذج الغربي، كما تمسكت بالمبادئ الأساسية للتمويل المحلي. ومع ذلك، عندما يسعى التمويل العالمي بأكمله وراء أرباح سريعة الإيقاع، ونحن نصر على أن كل معاملة يجب أن تكون مدعومة بأصول حقيقية، وأن نظل نتقاسم المخاطر مع المؤسسات، فكيف يمكنني إيجاد التوازن بين التمسك بالجذور المحلية والابتكار والتطوير؟
ظلت هذه الحيرة تؤرقني من دون حل. إن الصين، كونها اقتصادا ناشئا ولديها تاريخ عريق ومنطق تنموي محلي أصيل، وانطلقت من مستوى متدن وحققت قفزة تنموية، أصبحت النموذج الذي أرغب بشدة في استكشافه، فهو من جهة نموذج مندمج بعمق في السوق العالمية، ومن جهة أخرى لم يتخل أبدا عن إيقاعه التنموي الخاص. لذا، حملت هذه الحيرة الثقيلة وجئت إلى الصين، عازما على فهم: كيف يمكن لاقتصاد قائم على جذور محلية أن يحافظ على نواته المالية والتنموية، وفي الوقت نفسه يحتضن العالم حقا، ويشق طريقه الخاص نحو الابتكار والتفوق؟
في عُمان، واجهت تجربة عملية عندما سعت شركة صينية للاستثمار في ميناء صحار، واصطدمت بقيود الملكية الأجنبية. وفي حين عرضت البنوك التقليدية تمويلا قائما على الفائدة، قمنا بتطوير نموذج شراكة يقوم على تأجير الأرض لمدة 20 عاما، وربط العائد بالإنتاج، مع انتقال الملكية في نهاية المدة. لم يكن ذلك قرضا، بل شراكة حقيقية.
وفي عام 2021، تأسست شركة "22 جسرا"، التي حققت نجاحا ملموسا، موفرة وظائف، ومقدمة نموذجا تمويليا خاليا من الفائدة، قائما على تقاسم المخاطر.
ومن خلال هذه التجربة، أدركت أن الدرس الأهم الذي تعلمته في معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب هو: ليس المطلوب تقليد الغرب، ولا استنساخ الصين، بل الانطلاق من الجذور الذاتية، وبناء مسار خاص يحظى بالاحترام والتقدير عالميا.
والدي أطلق عليَّ اسم "ناصر"، ومعناه الأساسي "المنتصر". لكني عرفت لاحقا أن لهذا الاسم معنى آخر في اللغة العربية، وهو "الموصل" أو "من يربط".
لا أستطيع أن أكون جسرا يعبر العالم العربي بأكمله مثل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ولا أستطيع أن أكون جسرا أكاديميا يربط التجربة الصينية بالتنمية العالمية مثل الاقتصادي الصيني المعروف البروفيسور لين يي فو أو البروفيسور فو جيون، أستاذ الاقتصاد السياسي والسياسات العامة في جامعة بكين. لكنني نجحت في عبور جسر واحد، وأصبحت شيئا فشيئا عقدة صغيرة للتواصل داخل شبكة، ليست طريقا أحادي الاتجاه، بل طريقا يمكن من خلاله أن نتصافح بالأيدي في كلا الاتجاهين.
من جهة، أرتبط بالمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر في عُمان، لكي تتاح لها الفرصة، بدعم من روح الشراكة، للوصول إلى أسواق عالمية أوسع وتحقيق أحلامها الصغيرة. ومن جهة أخرى، أرتبط بخريجي معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب، وأصدقاء في دول الجنوب العالمي، لأنشر أفكار التمويل الإسلامي، وأنقل الحكمة التنموية التي تعلمتها في الصين، ووجهات النظر حول الحضارات المختلفة، إلى من حولي. كلما رأيت أكثر وعرفت أكثر، ازداد قلبي سلاما، وذهب عني قلق الأيام الصعبة الأولى، ولم أعد أعتقد أن طريقتي هي الحل الوحيد، بل تعلمت شيئا فشيئا أن أكون منفتحا وأن أنظر بهدوء إلى ما لا أعرفه ولا أفهمه، وأتعلم كيف أرتبط بالآخرين.
هكذا، يكفيني أن أكون حلقة وصل- أتيح فرصا جديدة، وأجمع بين أفكار مختلفة، وأسهم في بناء مستقبل أكثر توازنا.
لقد عبرت جسرا، وأصبحت جسرا.
--
ناصر الشقصي، مؤسس شركة "22 جسرا" في سلطنة عمان.
(مصدر: الصين اليوم)
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |