share
arabic.china.org.cn | 03. 08. 2026

دروس التجربة الصينية

arabic.china.org.cn / 13:24:46 2026-08-03

3 أغسطس 2026 /شبكة الصين/ يحتفل الشعب الصيني هذه الأيام بحدث جلل، ويحتفي بمناسبة بالغة الأهمية وعظيمة الدلالة؛ مرور 105 أعوام على تأسيس "الحزب الشيوعي الصيني". إنها قصة كفاح مجيدة، سطر بدايتها ثلاثة عشر مندوبا شاركوا في المؤتمر الوطني الأول للحزب، راعهم أن يروا بلدهم يتمزق ويتألم تحت سوط الجلاد الأجنبي، وشعبهم يتعذب ويهان ويتضور جوعا بسبب النهب الاستعماري الضاري لثرواته، فأقسموا على العمل من أجل تحرير الوطن والمواطن من الاستعمار الأجنبي وأعوانه الداخليين، واستعادة الكرامة للأمة، واسترجاع المجد التليد الغائب.

وقد أسست هذه المجموعة من الثوار المخلصين، في يوليو عام 1921، وقادت حزبا صغيرا يضم أكثر من خمسين عضوا من المناضلين المتأثرين بالنظرية الماركسية، والمتفاعلين مع رياح الثورة البلشفية في روسيا القيصرية عام 1917. وتحت قيادة هذا الحزب الوليد، وعبر رحلة نضال أسطورية، استطاعوا خلالها أن يوقظوا الهمة الوطنية، وأن يوحدوا الإرادة الشعبية، وأن يطردوا المستعمر وأعوانه، وأن يعلنوا الدولة المستقلة: "جمهورية الصين الشعبية"، في الأول من أكتوبر عام 1949، وليكبر هذا الحزب الصغير مع مرور الزمن، فيصبح أكبر حزب حاكم في العالم يضم أكثر من مائة مليون عضو، ويتخطى تأثيره المحيط الوطني؛ الصين، وحتى الدائرة القارية؛ قارة آسيا، ليصبح أحد أبرز الفاعلين في الاقتصاد العالمي، مقدما نموذجا ناجحا يحتذى:"الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، كتطبيق عملي لعمق الرؤية وفعالية النموذج التنموي ودقّة التنظيم وشمول التخطيط والناتج الإيجابي للعمل الدؤوب الشاق، والقدوة الحسنة التي تلقى الاحترام في مشارق الأرض ومغاربها.

ومع كثرة ما كُتب، وسيُكتب حول هذا النموذج المتألق للتنمية الفائقة النجاح، سيظل من المفيد دائما استخلاص الدروس الأساسية من مسار تنمية الصين، الذي أسهم خلال العقود الماضية في تحقيق نمو اقتصادي مستقر، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتعزيز إسهام الصين في التنمية الاقتصادية العالمية.

ومن المهم أن يوضع في الاعتبار عنصر تميز أساسي آخر، هو أن هذه الطفرة النهضوية الهائلة، سلكت طريق التنمية المتمحورة حول الشعب، وتمت بسواعد ومعاناة وتضحيات وجهود الشعب الصيني في المقام الأول والأخير، مع التمسك بطريق التنمية السلمية والتعاون المتبادل المنفعة، والإسهام في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

ويجدر بأحزاب الحركة الاشتراكية فيما يُطلق عليه دول الجنوب العالمي، أي دول العالم المحدودة النمو، التي تكافح من أجل تعزيز الاستقلال التنموي وصياغة مسار وطني يتناسب مع ظروف كل دولة، وتأمل في تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود لشعوبها، أن تعي الدروس المستفادة من مسار النهضة الصينية الهائلة، إذا أرادت أن تساعد شعوبها على اللحاق بالركب الحضاري والإنساني المتسارع، وأن تتجاوز محنة التخلف والتبعية والاستدانة ورهن الإرادة الوطنية، فما هي أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها من تجربة الصين الرائدة؟

من أهم الدروس التي تستلهم من التجربة الصينية، الدرس الذي ما انفك الحزب الشيوعي الصيني يصر دائما على التذكير بمضمونه المهم: يمكن للأحزاب والدول الصديقة الاستفادة من تجربة وخبرات الصين ومسيرتها الموفقة للغاية، لكن من الخطأ محاولة تقليد هذه التجربة، أو تكرارها ونسخ تفاصيلها، لأنها تجربة بالغة الارتباط بثقافة الشعب، (الصيني هنا)، وتراثه الحضاري التليد وسيكولوجية الجماهير وعقائدها وانحيازاتها وميراثها الفكري والثقافي الغني. ويجدر بالأحزاب والدول الأخرى استخراج ملامح تجربتها الخاصة بالتفاعل الخلاق مع شعوبها وتراثها، وإدراك ظروف وطنها والتحديات المحيطة به، وآمال مواطنيها وحاجاتهم الملحة.

ويتساءل كثيرون عن الركائز التي حققت للحزب الشيوعي الصيني النجاح والتوفيق. من المهم أن يكون واضحا أن هذا النجاح لم يأت مصادفة، بل كان نتاجا لجهد جهيد، ارتكز على احترام الشعب والسعي المخلص لتلبية حاجاته والصدق في التعامل معه والاستماع الواعي لصوته واقتراحاته، في منظومة من "الحوكمة" الرشيدة، المرتبطة عضويا بخدمة الشعب وتحقيق مصالحه.

وقد حدد الرئيس شي جين بينغ، خلال المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في عام 2017، "التمسك بأمور في أربعة عشر مجالات"، التي تشكل العمود الفقري لـ "أفكار شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد"، تقدمتها المبادئ الخاصة بـتعزيز قيادة الحزب وتجذير ارتباطه العضوي بالشعب، ولزوم قيادته لجميع مجالات العمل؛ من السياسة والاقتصاد، إلى الثقافة والمجتمع، وأيضا الجيش.

وأكدت هذه المبادئ على أن تجربة الحزب الشيوعي الصيني تُعَلِّم أن نجاح أي حزب نضالي يرتبط بسعيه الدؤوب إلى تأكيد الحقيقة القائمة بأن "الشعب هو أساس ومصدر قوته"، ويجب على كوادر الحزب التصرف على أساس "وضع الشعب في المقام الأول"، وعلى الحزب أن يدرك أنه لا امتيازات أو مصالح خاصة له، غير المصالح الأساسية للغالبية العظمى من أبناء الشعب، كما أن عليه أن يحرص على استقلالية قراره وحرية إرادته، والتمسك الحازم بأن شؤون وطنه لا يقررها غير مواطنيه، فضلا عن دوره الأساسي في مواصلة تعميق الإصلاح الشامل، وتحديث منظومة "الحوكمة" في الصين.

وفي سياق هذا التحديث، وبهدف تحقيق هذه الغايات، يحتاج الحزب السياسي إلى التمتع بالانضباط التنظيمي والأخذ بقواعد "نظام المركزية الديمقراطية"، والتي تعني النقاش الحر والواعي والشجاع، ثم الالتزام الصارم بالتنفيذ الكفؤ للقرارات من القمة إلى القاعدة.

ويحارب الحزب "الشكلية"، و"البيروقراطية"، باعتبارهما "خطرين وجوديين" يؤديان إلى انفصال القيادة عن القاعدة، وينتهيان بتآكل ثقة الجماهير التي تعد الركيزة الأساسية لشرعية الحزب. ومن أجل تجنب السقوط في هذا المنحدر أطلق الحزب مفهوم "الثورة الذاتية"، أي "ممارسة النقد الذاتي الصارم" كآلية للمناعة السياسية، وهو مفهوم يعتمد على "المراقبة الداخلية الصارمة"، ويجعل من الشعب رقيبا يقظا على أعمال كوادر الحزب، ويمارس "إدارة الحزب بانضباط صارم وعلى نحو شامل"، فيأخذ بمحاربة الفساد بلا هوادة على مستويات "النمور والذباب" (أي مكافحة الفساد سواء بين كبار المسؤولين أو صغار الكوادر الحزبية)، قبل استفحال خطرهما. وبهذا، يطور الحزب الشيوعي الصيني آلية ذات خصائص صينية للمراقبة الذاتية والتطوير الذاتي، تختلف عن بعض النماذج السياسية السائدة في دول أخرى، فيقوم بدور "المصحح الذاتي" عبر آليات التنقية الذاتية، ويؤكد على مبدأ "الثورة الذاتية" و"توجيه النصل إلى الداخل" من أجل تعزيز الانضباط الحزبي ومكافحة الفساد.

وفي هذا السياق، اعتمد الحزب الشيوعي الصيني مقياسا مبتكرا لـ"التقييم والتقويم"، فلم يعد كافيا اعتماد تقييم المسؤولين المحليين في الصين على "الأرقام الصماء" كمعَدّلات نمو الناتج المحلي الإجمالي وعدد الأبراج السكنية المنجزة ومشروعات البنية التحتية المنفذة، إلخ، وإنما أصبح التركيز على أن "زيادة رفاه الشعب ورفع جودة معيشته" هو الهدف الأسمى لأي إنجاز حكومي، مصحوبا بالتحول من "نمو المؤشرات" إلى "جودة الحياة"، كمقياس نوعي لـ"تقييم" و"تقويم" أداء الكادر الحزبي، ولنقل ولائه من "التقرير الحزبي" الجامد، إلى تقدير "الشارع" الحي، وتحويل مفهوم "الإنجاز" من "التوسع الكمي" إلى "التنمية النوعية"، المتمثلة في الرعاية الصحية والتعليم المتطور والبيئة النظيفة والرفاه المشترك.

وعلى مستوى السياسات، الداخلية والخارجية، تعلمنا خبرة الحزب الشيوعي الصيني العميقة، الممتدة لأكثر من قرن كامل، القيمة العليا للاجتهاد في "تصميم" وصياغة نموذج اقتصادي مرن يناسب الظروف الخاصة لكل دولة، يتفق وتراث الأمة وثقافتها وخبرتها التاريخية من جهة، ويتوافق مع التطورات العالمية، والمتغيرات المستجدة من جهة أخرى. وهو النموذج الذي عُرف بـ"الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، الذي زاوج بمهارة بين التخطيط المركزي للدولة والملكيات العامة من جهة، وبين آليات السوق والمبادرات الخاصة من جهة أخرى، وهو النموذج الذي صعد بالأمة الصينية إلى آفاق عليا قل نظيرها، في أقل من نصف قرن.

وفي التطبيق العملي، تعامل الحزب الشيوعي الصيني بحنكة وذكاء مع واقع الصين قبل النهضة، وظروف مواطنيها، فلم يلجأ إلى وصفات جاهزة لا تراعِي خصوصية الواقع الصيني، وإنما اعتمد مبدأ التدرج الحذر، وسياسة "عبور النهر بتلمس أحجاره"، حتى تهيأت الظروف للانطلاقة الكبرى.

وتقدم التجربة الصينية، بتوجيهات مباشرة من الحزب الشيوعي الصيني، نموذجا يحتذى في أهمية الاستثمار المكثف في "رأس المال البشري" والتطوير التكنولوجي. فالإنسان هو صانع الحضارة وركيزة التقدم وأساس كل نهضة. ولذلك، لم يبخل الحزب في توفير كل الشروط الضرورية للارتقاء بالمكون البشري الصيني، وبذل جهودا جبارة لمحو الأمية الشاملة، ولإخراج نحو 800 مليون مواطن صيني من حالة الفقر المدقع، في إنجاز غير مسبوق على نطاق واسع، ووفر فرص عمل مناسبة لملايين الشباب، وأنفق بأريحية على تطوير التعليم، وارتقى بالمعارف التقنية الحديثة، ورصد مبالغ هائلة على البحث العلمي والابتكار والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وأبحاث الفضاء، وغيرها من فروع النهضة الكونية المعاصرة.

ودرس آخر لا يجب إغفاله، ومن المهم أن يظل قيد الوعي والانتباه، تعلمنا إياه تجربة الحزب الشيوعي الصيني الممتدة الغنية، وهو وجوب المحافظة على استقلالية القرار الوطني والدفاع عن المصالح الوطنية، مهما كانت التحديات والمصاعب، والتمسك بسياسة خارجية سلمية مستقلة ذاتيا، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، والعمل على بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، والحرص على تصميم سياسات نقدية وتجارية مستقلة تخدم المصالح العليا للوطن، بما ينسجم مع المصالح الوطنية وظروف التنمية الخاصة بكل دولة.

كما تعلمنا ملحمة الصعود الصيني المبهر، التي قادها ووجهها الحزب الشيوعي الصيني، درسا خاصا يقضي بضرورة امتلاك "رؤية إستراتيجية" ممتدة لعقود، ومنها "أهداف المئويتين"، الأمر الذي يستدعي توفير وضعية من الاستقرار السياسي الممتد، تتيح مدى زمني طويلا لإنجاز مشروعات البنية التحتية الإستراتيجية العملاقة.

ويبقى درس بليغ أخير، فالحزب الشيوعي الصيني انطلاقا من إيمان الحزب الشيوعي الصيني بأنه حزب يسعى إلى إسعاد الشعب الصيني والإسهام في تقدم البشرية، فمهما حقق الإنسان من تقدّم، لن يكون سعيدا والشقاء يحيط به من كل جانب والمخاطر المترتبة على سياسات النهب الأحادية والحروب الأهلية والإبادة الجماعية والنكبات والجوائح والمجاعات وتقلبات المناخ، مما يوجب المساعدة والتعاون وحفز الهمم لمواجهة ما يحيط بالمجموع البشري من تهديدات ومخاطر. وبدلا من سياسات الهيمنة والصراعات الجيوسياسية، طرح الرئيس شي جين بينغ رؤية نقيضة، ترتكز على فكرة أرقى، هي "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية" التي جوهرها فكرة "التنمية المشتركة" القائمة على "المنفعة المتبادلة"، و"تقاسم المكاسب"، والتي تستهدف تحقيق التنمية المشتركة وترفض احتكار طرف لخيراتها دون الآخرين، ونموذج لها مبادرة "الحزام والطريق"، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، التي تؤكد مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة، وتمنع أي دولة من تعزيز أمنها على حساب أمن الدول الأخرى، وكذا مبادرة الحضارة العالمية، التي تروج لمفهوم إنساني نبيل، هو احترام تنوع الحضارات وتعدد القيم والثقافات، باعتبارها جميعا منابع للفكر الإنساني المتكامل، القائم على التعددية والتنوع.

--

أحمد بهاء الدين شعبان، الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري. 

(مصدر: الصين اليوم)


   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号