| arabic.china.org.cn | 23. 05. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
عدن، اليمن 22 مايو 2026 (شينخوا) في مدينة عدن الساحلية جنوبي اليمن، لم تعد العائلات تنتظر حلول الليل كي تنام.
بل تنتظر أن يصبح الليل أقل قسوة.
ومع انطفاء آخر خيوط النهار، تبدأ أسطح المنازل في عدن بالامتلاء بعائلات منهكة تحمل الوسائد والفرش الخفيفة وقوارير المياه، وتصعد السلالم الضيقة بحثا عن نسمة هواء تخفف وطأة الحر الخانق.
أما الشقق في الأسفل، فتظل غارقة في الظلام والحرارة الخانقة وسط انقطاعات للكهرباء تمتد حاليا إلى نحو 18 ساعة يوميا.
وفوق الأسطح، لا توجد راحة حقيقية.
لكن بالنسبة لكثير من السكان، تبقى أهون من الغرف التي تحولت إلى مساحات خانقة لا تُحتمل.
كل ليلة، يعيد علي صالح المشهد ذاته.
فقبيل منتصف الليل بقليل، يحمل الأب البالغ من العمر 48 عاما الفرش على كتفيه، ويقود أطفاله واحدا تلو الآخر إلى سطح المبنى السكني الذي يقطنه في مديرية المنصورة بمدينة عدن.
وخلفه، يغرق المنزل الذي أمضى سنوات في بنائه لعائلته في عتمة الانقطاع الكهربائي.
وقال لي بصوت خافت بينما كان العرق يغطي وجهه المتعب "الغرف تتحول إلى قبور.. تجلس فيها عاجزا عن التنفس، عاجزا عن النوم، تنتظر الصباح وكأنه نجاة".
وفي أنحاء عدن، حيث ما تزال سنوات الصراع تثقل تفاصيل الحياة اليومية، تحولت أسطح المنازل إلى غرف نوم مكتظة خلال الصيف الساحلي القاسي.
أطفال ينامون بجوار خزانات المياه، وأمهات يمضين ساعات في التلويح بقطع من الورق المقوى فوق وجوه أطفالهن لطرد البعوض، فيما يحدق رجال مسنون بصمت في العتمة حتى ساعات متأخرة من الليل بعدما أعياهم التعب دون أن يمنحهم النوم راحة.
ومن الأعلى، لم تعد عدن تبدو مدينة تستريح.
بل مدينة تقضي لياليها هاربة من الاختناق.
وعندما زرت سطح منزل علي، كان ابنه الأصغر نائما قرب حافة المبنى فوق فراش رقيق أثقلته الرطوبة والغبار.
وكان البعوض يحاصر وجه الطفل بلا توقف بسبب مياه الصرف الراكدة القريبة، بينما كانت والدته تلوح فوقه بقطعة قماش طوال الليل الخانق.
وقال علي بهدوء وهو يبعد الحشرات عن جبين طفله "كل أسبوع يمرض أحدنا... حمى الضنك، الملاريا، الحمى الشديدة.. الناس لم يعودوا يعرفون حتى ما المرض الذي ينتشر بينهم".
ثم صمت لثوان طويلة قبل أن يحدق نحو الشوارع الغارقة في الظلام قائلا "الحرب علمتنا كيف نتحمل الخوف والجوع.. لكن هذا الحر، وهذا الإرهاق الذي لا ينتهي، يفتك بالناس ببطء".
وحتى أسطح المنازل لم تعد تمنح شعورا كاملا بالأمان.
ففي ليالي الصيف بعدن، تتردد أصوات إطلاق النار الاحتفالي من الأعراس والتجمعات في أنحاء المدينة، بينما يقول السكان إن الرصاص الطائش يسقط أحيانا فوق الأسطح التي تنام عليها العائلات.
وأشار علي إلى مبنى مجاور قال إن رصاصة طائشة اخترقت لوحا للطاقة الشمسية فيه قبل أسابيع.
وأضاف "حين يبدأ إطلاق النار، يستيقظ أطفالي مذعورين.. تخيل أن تهرب من غرفتك بحثا عن الهواء، ثم تخشى رصاصة طائشة تسقط من السماء".
وعلى سطح قريب، جلس جاري ناصر أحمد، وهو سائق أجرة يبلغ من العمر 39 عاما، مستيقظا بجوار ابنتيه خلال ليلة جديدة بلا كهرباء.
وكانت طفلته الصغرى تسأله مرارا متى سيعود التيار الكهربائي.
وللحظة، ارتسمت على وجهه ابتسامة متعبة.
ثم التزم الصمت.
وقال أخيرا "لم أعد أعرف ماذا أقول لها".
وأوضح ناصر أن ابنتيه تتوسلان أحيانا للنوم داخل سيارة الأجرة المتوقفة، حيث يوفر المكيف مهربا نادرا من حرارة الأسطح.
وقال بصوت خافت بينما يراقب ابنتيه تكافحان الحر "في السابق كان الأطفال يطلبون الألعاب.. اليوم يطلبون الكهرباء ليناموا. حتى أحلام الأطفال هنا باتت تضيق يوما بعد آخر".
وفي أنحاء عدن، لم تعد الليالي تجلب الراحة.
بل تجلب البعوض والعرق والعتمة والانتظار.
وبالنسبة للعائلات القادرة على امتلاك ألواح للطاقة الشمسية، يمنح النهار متنفسا مؤقتا حين تعمل المراوح بالطاقة الشمسية، قبل أن تعود المدينة إلى ظلامها بعد غروب الشمس. أما كثير من الأسر، فأصبح النوم المتواصل رفاهية بعيدة لا تكاد تتذكرها.
وفي بعض أحياء عدن، شاهدت شبانا يفترشون البطانيات قرب البحر أملا في أن تمنحهم نسمات الليل بضع ساعات من الراحة.
وفي الجوار، بقيت عائلات بأكملها مستيقظة حتى الفجر بعدما تحولت الشقق إلى مساحات خانقة لا تُطاق.
وحتى بعد منتصف الليل، ظلت أسطح المنازل مكتظة بأشخاص أنهكهم التعب إلى حد الصمت، ينتظرون شروق الشمس كما ينتظر الغرقى النجاة.
ولا يتوقف الإنهاك عند حدود فقدان النوم.
فالمستشفيات تكافح خلال ساعات الانقطاع، ومضخات المياه تتوقف في كثير من الأحياء، فيما تفسد الأطعمة سريعا داخل الثلاجات المعطلة. كما تنفق العائلات جزءا كبيرا من دخلها المحدود على شراء الثلج والبطاريات والوقود لمجرد تجاوز يوم جديد.
ويقول السكان إن أزمة الكهرباء هذا العام تُعد من الأسوأ في تاريخ عدن الحديث.
ويلقي مسؤولون باللوم على تهالك البنية التحتية، ونقص الوقود، وتراجع القدرة الإنتاجية، وارتفاع تكاليف التشغيل في بلد أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.
وتقول السلطات المحلية إن تشغيل منظومة الكهرباء في عدن يكلف حاليا نحو 55 مليون دولار أمريكي شهريا، أي ما يقارب 1.8 مليون دولار يوميا، بينما لا تغطي الإيرادات الشهرية حتى تكلفة يوم تشغيل واحد، ما يعمق الأزمة المالية ويزيد من تفاقم الانقطاعات المزمنة.
وفي خضم الأزمة المتفاقمة، يقول مسؤولون حكوميون إن السلطات تعمل على تنفيذ إجراءات طارئة لتحسين خدمات الكهرباء في عدن والمحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة.
ووافق المجلس الأعلى للطاقة في اليمن، خلال اجتماع طارئ عقد الأحد في عدن، على حزمة من التدابير لتأمين إمدادات الوقود، وزيادة القدرة الإنتاجية، ودعم استقرار تشغيل محطات الكهرباء خلال ذروة فصل الصيف.
كما تتجه السلطات بشكل متزايد نحو مشاريع الطاقة المتجددة، مع خطط لتوسيع محطة عدن للطاقة الشمسية بقدرة 120 ميغاواط، التي أُنشئت بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب تشجيع استثمارات أوسع في مشاريع الطاقة واسعة النطاق.
وبالنسبة لكثير من السكان الذين يواجهون ليالي طويلة من الحر والعتمة، تمثل هذه التحركات بارقة أمل حذرة في أن تتمكن المدينة يوما ما من الخروج من دوامة الانقطاعات المزمنة والإرهاق اليومي.
غير أن واقع الحياة اليومية ما يزال ثقيلا بالنسبة لآلاف العائلات في المدينة، حيث تُقاس الأزمة بطريقة مختلفة.
تُقاس بأم عاجزة عن تبريد طفل محموم.
وبأب يسهر الليل حارسا لعائلته النائمة تحت السماء المكشوفة.
وبطلاب يحاولون الدراسة على ضوء هواتف خافتة قبل أن يهزمهم الإرهاق.
وفي وقت سابق من ذلك اليوم، عاد ابن أخي الصغير من امتحاناته في المدرسة الابتدائية مرتديا زيه المدرسي المبلل بالعرق تحت حرارة عدن القاسية.
وكان وجهه يبدو أكبر من عمره.
فالطفل أمضى الليلة السابقة نائما فوق السطح مع بقية أفراد أسرته بعدما أصبحت حرارة الشقة لا تُحتمل.
وبعد ساعات قليلة من النوم المتقطع، جلس لأداء امتحاناته داخل فصل دراسي بلا كهرباء أو مراوح.
وسأل بصوت خافت "متى سينتهي هذا العذاب؟".
ثم أضاف بعد صمت طويل "أذهب إلى المدرسة وأنا متعب أصلا".
وظلت كلماته ترافقني طوال بقية اليوم.
ففي مدينة أنهكتها الحرب، حتى الطفولة أصبحت مرهقة.
وفي العام الماضي، صُدم سكان عدن بعد تداول تقارير عن وفاة رجل وزوجته اختناقاً بأول أكسيد الكربون أثناء نومهما داخل سيارتهما ومحركها يعمل، هربا من الحر خلال انقطاعات الكهرباء الطويلة.
وبالنسبة لكثير من اليمنيين، لم تعد الحادثة مجرد مأساة معزولة.
بل تحولت إلى رمز لحجم اليأس الذي وصلت إليه الحياة اليومية في اليمن الذي مزقته الحرب.
وقبيل شروق الشمس بقليل، عبرت نسمة هواء خفيفة سطح منزل علي أخيرا.
واحدا تلو الآخر، استسلم أطفاله المنهكون للنوم.
وفي الأسفل، بقي معظم أنحاء عدن غارقا في الظلام.
وفي الأحياء الأكثر ثراء، واصلت المولدات الخاصة هديرها طوال الليل، بينما لم يقطع الصمت في المناطق الأفقر سوى نباح الكلاب وبكاء الأطفال وخطوات المتعبين.
وظل علي يحدق بصمت نحو الأفق بينما بدأت خيوط الفجر الأولى تلامس المدينة المنهكة ببطء.
ولأول مرة تلك الليلة، كان أطفاله نائمين.
وقال بصوت منخفض "نحن لا نطلب رفاهية".
ثم أضاف "الناس هنا يريدون فقط ليلة عادية واحدة".
بعدها استلقى بجوار أطفاله تحت سماء ما تزال تحتفظ بحرارة صيف عدن القاسي.
وفي أنحاء المدينة المنهكة، بقيت آلاف العائلات مستيقظة، لا تنتظر رفاهية ولا راحة.. بل بضع ساعات من النوم فقط. /نهاية الخبر/
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |