share
arabic.china.org.cn | 15. 04. 2026

الإمارات والصين.. شراكة إستراتيجية "بلا حدود"

arabic.china.org.cn / 14:45:43 2026-04-15

المصدر: الصين اليوم

15 أبريل 2026 / شبكة الصين / هناك زيارات تستمد أهميتها مما تحمله من ملفات وأخرى تقرأ دلالاتها في ضوء ما يبوح به توقيتها، وبين هذا وذاك، تأتي زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى الصين جامعة بين الاثنين، فهي من جهة مثقلة بملفات إستراتيجية مهمة، ومن جهة أخرى تحل في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية.

زيارة لا تنفصل عن سياق أوسع من الحراك الإماراتي- الصيني خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تؤكده محطات مفصلية في تاريخ العلاقة؛ فحين أجرى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان زيارة دولة إلى الصين في مايو 2024، وتوجت بتوقيع 19 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات متعددة، كانت تلك إشارة واضحة إلى أن الشراكة تتجه نحو اقتصاد المستقبل لا الاكتفاء بإرث الماضي.

وفي امتداد طبيعي لهذا المسار، تكتسب زيارة ولي عهد أبوظبي إلى الصين في الفترة من الثاني عشر إلى الرابع عشر من 14 إبريل 2026 معناها الأعمق، باعتبارها حلقة ضمن سياسة إماراتية أشمل تقوم على "تعدد الشركاء" واقتصاد قائم على التنويع، وهي مقاربة تتيح للإمارات المحافظة على توازن دقیق بین علاقاتها التقليدية مع الغرب، وانفتاحها المتسارع على الشرق، من دون أن تتحول هذه العلاقة إلى بديل عن تلك، بل إلى امتداد يعززها في إطار أكثر شمولا واتساعا.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة والعالم، حيث تجر السياسة حبل الاقتصاد في خطوط متعرجة تشكل عقدة تلو الأخرى. ومن هنا فإن الزيارة، بما تحمله من ثقل، تمثل اختبارا عمليا لصلابة الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الإمارات والصين وقدرتها على التكيف مع التحديات.

وانطلاقا من هذه الزاوية، تبرز فرضية أساسية تحكم قراءة المشهد، مفادها أن الإمارات لم تعد تتعامل مع الصين بوصفها شريكا اقتصاديا فحسب، وإنما أيضا باعتبارها ركيزة في معادلة السياسة الدولية.

وهذه الفرضية تجد سندها في أرقام يصعب تجاوزها، إذ لم يعد الحديث عن تبادل تجاري تقليدي، بل عن منظومة اقتصادية متشابكة. فحسب إحصاءات الجانب الإماراتي، ارتفعت التجارة غير النفطية بين الإمارات والصين، بنسبة 5ر24%، خلال العام الماضي، لتصل إلى 5ر111 مليار دولار أمريكي، في مؤشر لا يعكس فقط حجم التبادل، بل سرعة نموه وتسارعه.

هذه الأرقام تكشف عن طبيعة الدور الذي باتت تلعبه الإمارات في المعادلة الاقتصادية الصينية العالمية، إذ يمر عبرها، وفقا لأرقام الجانب الإماراتي، أكثر من 60% من إجمالي صادرات الصين إلى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يرسخ موقعها كمركز لوجستي أول للمنتجات الصينية في هذه الجغرافيا الواسعة، ويمنح العلاقة بعدا يتجاوز الثنائية إلى الإقليمية.

وفي هذا الإطار، تحافظ الإمارات على موقعها كأكبر شريك تجاري غير نفطي للصين في منطقة الشرق الأوسط، في تأكيد مستمر على مركزية هذه العلاقة في حسابات الطرفين. ولا يمكن فصل هذا الحضور الاقتصادي عن مسار تاريخي تراكمي، بدأ منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1984، وتسارع مع انضمام الإمارات إلى مبادرة "الحزام والطريق" في عام 2018، وصولا إلى الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة في العام نفسه.

وسيرا على هذا المسار، تجاوزت العلاقات الإماراتية- الصينية محور التجارة البينية، بل انتقلت إلى مستويات أكثر عمقا حيث تتداخل الاستثمارات مع التكنولوجيا، ففي عام 2025 تم توقيع اتفاقية استثمارية كبرى بين البلدين لتعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، في خطوة تعكس انتقال العلاقة إلى قلب اقتصاد المعرفة، كما انضمت أكثر من 1500 شركة صينية جديدة إلى عضوية غرفة تجارة دبي خلال العام ذاته، بنمو سنوي بلغت نسبته 7%، وهو ما يعكس تدفقا مستمرا لرؤوس الأموال والشركات ويؤكد أن السوق الإماراتية باتت منصة انطلاق للشركات الصينية نحو العالم.

وفي السياق ذاته تكتسب الاتفاقيات الحكومية بعدا مكملا لهذا الحراك، حيث وقعت حكومة أبوظبي في فبراير 2025 اتفاقية تعاون موسعة مع حكومة شانغهاي، شملت قطاعات التمويل والموانئ والصحة والتكنولوجيا، في دلالة على أن الشراكة لم تعد مقتصرة على القطاع الخاص، بل أصبحت جزءا من التعاون الحكومي بين الطرفين.

ولا يقف هذا التعاون عند حدود التبادل الاقتصادي، بل تمتد بسلاسة إلى مجالات أكثر اتصالا بالمستقبل، مثل الفضاء والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، في دلالة واضحة على إدراك متبادل بأن الاقتصاد العالمي يتجه بثبات نحو المعرفة والتكنولوجيا.

ومن هذا الامتداد الطبيعي للتعاون، تتقاطع "رؤية الإمارات 2031" مع الخطط الصينية الطويلة المدى، بما يمنح العلاقة بعدا إستراتيجيا يتجاوز الحسابات الآنية، ويضعها في إطار شراكة تبنى للمستقبل بقدر ما تدار بكفاءة في الحاضر.

وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذه المؤشرات، فإنها لا تعكس كامل أبعاد تلك الزيارة، إذ تتجلى قيمتها الحقيقية في توقيتها الدقيق، حيث تأتي في خضم لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، بدءا من تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية، خاصة ما يتعلق بممرات الطاقة الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز، مرورا بتداعيات الصراعات المزمنة في الشرق الأوسط، وصولا إلى استمرار الأزمة الأوكرانية وما خلفته من اضطرابات عميقة في سلاسل الإمداد العالمية.

كما لا يمكن فصل هذه الزيارة عن التحضير لانعقاد القمة العربية- الصينية الثانية في بكين هذا العام، وهي محطة لتعزيز مزيد من الحضور العربي في السياسات الصينية، فالقمة الأولى التي عقدت في الرياض عام 2022 قد أسست لإطار مؤسسي للتعاون.

غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الإطار إلى مشروعات ملموسة، وهنا تبرز الإمارات بحكم تجربتها، كفاعل قادر على نقل هذا التعاون من المستوى النظري إلى التنفيذي.

لذلك فإن الزيارة تعكس إدراك دولة الإمارات بأن الشراكة مع الصين ركيزة أساسية في عالم السياسة والاقتصاد، وخطوة لتعميق المصالح وسط اضطرابات دولية، وتمهيد لدور عربي أكثر تنظيما وفاعلية في التعامل مع بكين خلال المرحلة المقبلة.

--

أحمد سعيد العلوي، رئيس تحرير "العين الإخبارية" و"CNN" الاقتصادية في الإمارات.




   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号