| arabic.china.org.cn | 30. 03. 2026 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
بقلم اسامة منصور، خبير في الشؤون الصينية
30 مارس 2026 / شبكة الصين / يوافق شهر مارس هذا العام الذكرى الثالثة لمبادرة الحضارة العالمية، التي أعلنها الرئيس الصيني شي جين بينغ في مارس 2023، خلال اجتماع رفيع المستوى.
ويكمن جوهر هذه المبادرة في أنها دعوة للسلام والتنمية والعدالة والإنصاف لكل شعوب العالم، ودعوة لاحترام التنوع الحضاري الذي يزخر به هذا العالم، حيث قامت الحضارات على ضفاف الأنهار والمراكز التجارية على مر التاريخ واحتفظت بخصوصيتها ومدت ذراعيها للحضارات المجاورة للتعاون والتفاهم.
وتهدف هذه المبادرة إلى فتح ممر أخضر للتواصل بين الحضارات والتغلب على الحواجز التي بينها وتبادل المعارف والتعلم من بعضها البعض. كما تدعو هذه المبادرة إلى الاتجاه نحو ابتداع إطار جديد لقيم مشتركة للإنسانية جمعاء وإقامة شبكة تعارف حضارية منفتحة وتوسيع قنوات التعاون واضعين في الاعتبار أنه لا توجد حضارة تتفوق على حضارة أخرى، فهكذا علمنا التاريخ.
وفي الواقع، فإن مبادرة الحضارات العالمية تضخ طاقة جديدة في مجرى نهر الحضارات الإنسانية وتدفع بتناغم حميد بين الحضارات لمصلحة الإنسان والطبيعة وسلام الكوكب ككل وتخلق بيئة عالمية يسودها التعايش السلمي بين مختلف الحضارات والأمم وتراجع رايات الحرب والاستعلاء الحضاري. وبإيجاز، فإن مبادرة الحضارة العالمية هي نداء من أجل التعايش السلمي، وتعزيز الحوار بين الشعوب، وتعزيز التبادل الثقافي والفكري بين الحضارات، والتمسك بالقيم، وتفهم تقاليد وأنماط الحضارات المختلفة واحترامها، وتحقيق الاستفادة القصوى من الأنماط المختلفة لحضارات العالم، وصنع حضارة بشرية سلمية قائمة على التعاون، وتبادل المصالح، وتحقيق رفاهية الشعوب، وتكريس القيم النبيلة، واحترام حقوق الشعوب فى تقرير مصيرها، وعدم تدخل دولة في شئون دولة اخرى، أو فرض هيمنتها وسطوتها على دولة أخرى، وبناء التوافق السياسي، وتعزيز التعاون والمواءمات الاستراتيجية التي تحقق آمال الشعوب، وإرساء أسس سليمة لبناء تقدم الحضارات، وتعزيز الاستفادة المتبادلة بين مختلف الثقافات والحضارات، والعمل على الأخذ بالدول النامية ومساعدتها لتحقيق طموح شعوبها لأن ذلك سيعود بالسلام على البشرية جمعاء.
ولعل أفضل مثال واقعي لهذه المبادرة هو العلاقة بين الحضارتين المصرية والصينية. فعبر التاريخ الطويل، تعتبر الحضارتان المصرية والصينية الأقدم عبر التاريخ، ورغم بعد المسافات إلا أن بينهما روابط وقواسم مشتركة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحضارة لها منبع واحد، وإذا ما توفرت لها السبل واتحدت لها الظروف، فإن نتاجها سيكون بلا شك حضارة زاهية وإبداع لا مثيل له.
وقد تمثلت تلك القواسم المشتركة بين الحضارتين المصرية والصينية، في كونهما نشأتا على ضفاف الأنهار، وفي كون الإنسان هو عماد هذه الحضارة، وفي تعظيمهما للحرف والصناعات، وجعلها ثمارا مازالت تؤتي أُكُلَها، ثم في اهتمامها بالعلم، من خلال العمارة والهندسة والتدوين والكتابة، وكلها عناصر مازالت إلى اليوم شاهدا على عراقة هذه الحضارات وريادتها.
مصر والصين نموذج مثالي للتناغم الحضاري
صلات تاريخية
يوافق هذا العام 2026 ذكرى مرور 70 عاما على العلاقات المصرية الصينية في العصر الحديث، فقد كانت مصر أول الدول العربية اعترافا بالصين الجديدة وذلك في إبريل 1955 عندما التقى الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي، ثم توثقت العلاقات بين البلدين بشكل رسمي في مايو 1956 .
وتتسم العلاقات المصرية – الصينية بتطلُّعاتٍ مشتركةٍ، تتضح في المساهمات التي يشارك فيها كلٌّ منهما في المحافل الدولية والإقليمية، وتنسيق الرُّؤَى والمواقف المشتركة إزاء القضايا العالمية المهمة، وتظهر السياسة المصرية والصينية اهتمامًا ودعْمًا متبادلًا لكُلٍّ منهما؛ حيث تؤكد مصر على مبدأ الصين الواحدة، ورفْض أيَّة محاولات لتقسيمها؛ أمَّا الصين: فتتمثل جهودها في دعْم سُبُل السلام والاستقرار في المنطقة؛ ما يجعل مصر من أهم شركاء الصين بمجال الأمن الإقليمي.
ولا تعكس الصلات التاريخية بين مصر والصين مجرد بدايات دبلوماسية، بل تجسد تلاقي حضارتين عريقتين سعتا عبر التاريخ إلى التواصل والتفاهم رغم البعد الجغرافي.
العلاقات السياسية
شهدت السنوات العشر الأخيرة تكثيفًا في الزيارات رفيعة المستوى. وقد أسهمت الدبلوماسية الرئاسية في تعزيز العلاقات بين البلدين، وبالتأكيد أن تشكل العلاقات السياسية بين مصر والصين إطارًا داعمًا للتواصل الحضاري بين البلدين، حيث يسهم ما يتمتع به الجانبان من ثقة متبادلة وتفاهم مشترك في تهيئة بيئة مستقرة تعزز الحوار بين الحضارتين. ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات على التنسيق في القضايا الدولية، بل تمتد لتشمل دعم التبادل الثقافي والإنساني، بما يرسخ قيم الاحترام المتبادل والتعايش السلمي.
العلاقات الاقتصادية
تعتبر الصين من أكبر شركاء مصر التجاريِّين؛ حيث وصل حجْم التبادُل التجاري بين البلديْن إلى 16.63 مليار دولار من يناير إلى أكتوبر 2025، وتشهد مصر طفْرةً في الاستثمارات الصينية باستمرار، لا سيما في مجالات الطاقة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والبِنْية التحتيَّة، كما أن مصر تندرج ضِمْنَ الدول الداعمة لمبادرة "الحزام والطريق"، وتسعى إلى تنفيذ مشروعات المبادرة، بخاصَّةٍ في قطاع النقل البحري والبري، ويندرج مشروع قناة السويس التي تمَّ افتتاحها عام 2019 كمركزٍ لوجستيٍّ؛ لعبور السفن والبضائع ضِمْن مستهدفات "الحزام والطريق". وتشْهَدُ الاستثمارات الصينية في مصر نُمُوًّا ملحوظًا؛ حيث تُسْهِمُ الصين في دعْم المشاريع التنموية المصرية، عبْر التكنولوجيا التي تمَّ توظيفها في قطاع الطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية والأجهزة بكافَّةِ أنواعها؛ ما يساعد في تحقيق التنمية وخلْق فُرَص عملٍ جديدةٍ، وبالتالي فإن هذه الاستثمارات تُعدُّ عاملًا مهمًّا في تطبيق إستراتيجية إحلال الواردات، عن طريق تحقيق طفرةٍ إنتاجيةٍ في المنتجات، بما يدفع إلى خفْض الفاتورة الاستيرادية لمصر، في مُحصَّلةٍ نهائيةٍ، تتمثَّلُ في تقوية أواصر العلاقات الاقتصادية بين البلديْن، وزيادة التواصُل بينهما.
ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين على الأرقام والمؤشرات، بل تمثل جسراً للتواصل الحضاري، حيث تسهم المشروعات المشتركة في تعزيز التفاهم بين الشعبين، ونقل الخبرات، وترسيخ قيم التعاون والتنمية المشتركة.
العلاقات الثقافية
أضافت التبادلات الثقافية بين البلدين فصلًا جديدًا للعلاقات الصينية المصرية. ففي عام 2002م، قررت الصين ومصر إنشاء المدرسة الصينية في مصر. وفي نفس العام، تم تدشين المركز الثقافي الصيني بالقاهرة، وهو أول مركز ثقافي صيني كبير الحجم في الخارج، وهو أيضًا أول مركز ثقافي صيني أنشأته الصين في العالم العربي.
وفي عام 2007م، تم إنشاء أول معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة. وفي عام 2008م، تم الانتهاء رسميًّا من بناء المدرسة الصينية بالقاهرة. وفي عام 2016م وبمناسبة الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر؛ افتُتح العام الثقافي الصيني المصري رسميًّا في مدينة الأقصر بمصر، واستمر لمدة عام واحد، وشمل أكثر من 100 نشاط ثقافي مثل الأدب والعروض الفنية والسياحة والتعليم وما إلى ذلك، وغطى 25 مقاطعة ومدينة مهمة. في عام 2020م، وقَّعت وزارة التربية والتعليم بروتوكول تعاون مصري صيني مع معهد كونفوشيوس لإتاحة تدريس اللغة الصينية في مدارس التعليم قبل الجامعي بمصر كلغة أجنبية اختيارية ثانية، ويتضمن الاتفاق بين الوزارة ومعهد كونفوشيوس، إرسال خبراء ومتطوعين لتدريس اللغة الصينية وتدريب المعلمين المصريين على سبل التعليم الحديثة في دراسة اللغات الأجنبية.
التعاون الأثري بين الصين ومصر
عززت الصين ومصر شراكتهما في حماية الآثار المصرية عبر اتفاقيات استراتيجية، خاصة في هذه السنوات الأخيرة، تشهد مصر والصين تعاونًا متزايدًا في مجال حماية الآثار، يشمل ترميم التراث المغمور بالمياه، وتنفيذ مشروعات مشتركة للتنقيب والتوثيق، مثل أعمال معبد منتو في الأقصر. كما يتبادل الجانبان الخبرات في مجالات التشريعات وحماية التراث، ويعملان ضمن مبادرات دولية على تنظيم المعارض وتبادل البعثات الأثرية، إضافة إلى السعي لترشيح مواقع مشتركة ضمن قائمة التراث العالمي.
يأتي هذا التعاون في إطار العام الثقافي الصيني الأفريقي، لتعزيز الحوار الحضاري وتنمية الجنوب العالمي.
العلاقات في المجال الصحي
تجسد العلاقات الصحية بين مصر والصين بعدًا إنسانيًا مهمًا في مسار التبادل الحضاري بين البلدين، حيث برز التعاون خلال جائحة فيروس كورونا نموذجًا للتضامن وتبادل الخبرات في مواجهة التحديات المشتركة. ولم يقتصر هذا التعاون على الدعم الطبي وتوفير اللقاحات، بل امتد ليشمل نقل المعرفة وتعزيز القدرات المحلية في مجال البحث العلمي.
وفي هذا السياق، أسهمت الشراكات بين المؤسسات الصحية والبحثية في البلدين في ترسيخ ثقافة التعاون العلمي، من خلال تبادل الباحثين، وتنفيذ مشروعات مشتركة، وتعزيز نقل التكنولوجيا والابتكار. وبذلك، أصبح التعاون الصحي أحد الجسور التي تربط بين الحضارتين، وتدعم مسيرة التنمية المشتركة وتخدم رفاهية الشعوب.
لقد كان ولا يزال تعاون الحضارات المصرية والصينية نموذجا واضحا وفعالا وواقعيا لمبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين. فكلا البلدين بينهما قواسم تاريخية مشتركة، فهما أصحاب أقدم حضارة عرفها التاريخ، وحضارتهما ممتدة ومتواصلة إلى اليوم رغم مرور آلاف السنين، وهما أيضا لا يعرف قاموسهما العدوان على الغير أو احتلال أرضه ونهب خيراته، أو محاولة فرض الهيمنة والنفوذ، وهما أيضا كافحتا معا لمواجهة الإمبريالية والاستعمار الغاشم حتى نالتا حريتهما واستقلالهما، أضف إلى ذلك أن علاقتهما كانت ولا تزال علاقة قوامهما الصداقة والتعاون والعمل المشترك، مما جعلها نموذجا فريدا للعلاقة بين الأمم.
_______________
الآراء الواردة في المقال تعكس آراء الكاتب فحسب، وليس الشبكة
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |