share
arabic.china.org.cn | 09. 03. 2026

أصداء الدورتين السنويتين للصين.. مبادرة "الحزام والطريق" تغير شكل التنمية في أفريقيا

arabic.china.org.cn / 16:19:02 2026-03-09

مصدر: الصين اليوم

9 مارس 2026 /شبكة الصين/ في الوقت الذي تنعقد فيه الدورتان السنويتان في بكين، لترسما ملامح مرحلة جديدة من مسيرة التنمية الصينية وتأكيد انفتاحها المتواصل على العالم، تبرز مبادرة "الحزام والطريق" كواحدة من أبرز ثمار هذا التوجه، محولة رؤية الصين التنموية إلى واقع ملموس يمتد تأثيره إلى مختلف القارات.

منذ إطلاقها رسميا في عام 2013، لم تعد مبادرة "الحزام والطريق" مجرد مشروع صيني لتطوير طرق التجارة، بل تحولت إلى واحدة من أكبر المبادرات التنموية العابرة للحدود في العصر الحديث، كمشروع تنموي عالمي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكة ضخمة من البنية التحتية والطرق والسكك الحديدية والموانئ، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي، ويشارك فيه أكثر من 150 دولة وأكثر من ثلاثين منظمة دولية. وفي قلب هذه المبادرة، تبرز أفريقيا بوصفها شريكا محوريا، ليس لاعتبارات الموقع الجغرافي فحسب، وإنما أيضا لما تمثله من فرص تنموية هائلة واحتياجات بنيوية ملحة.

إن أفريقيا، التي تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، وتعاني فجوة سنوية في تمويل البنية التحتية تصل وفق تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى ما يتراوح بين 68 و108 مليارات دولار أمريكي، تمثل ساحة اختبار حقيقية لقدرة مبادرة "الحزام والطريق" على إحداث تغيير تنموي ملموس.  

الصين تعتبر أفريقيا شريكا إستراتيجيا

تنظر الصين إلى أفريقيا باعتبارها شريكا حقيقيا في التنمية المشتركة، وليس فقط وجهة تجارية. فالقارة الأفريقية، بسكانها الشباب ومواردها الطبيعية الغنية، تمثل مستقبلا واعدا للاقتصاد العالمي. فبحلول عام 2050، يتوقع أن تضم أفريقيا ربع سكان العالم، مع توسع سريع في الطبقة المتوسطة، وهو ما يجعلها سوقا استهلاكية كبيرة ومحركا مهما للنمو الاقتصادي العالمي. كما تزخر أفريقيا بثروات طبيعية تدعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والصناعات الحديثة، مثل معادن النحاس والكوبالت والليثيوم، التي تمثل عناصر أساسية في ثورة التكنولوجيا الخضراء. والصين، من خلال تعاونها مع الدول الأفريقية، تسعى إلى توطين هذه الصناعات، وتعزيز القدرات المحلية، بما يحقق قيمة مضافة داخل القارة، وليس فقط تصدير المواد الخام. إضافة إلى ذلك، فإن موقع أفريقيا الجغرافي المتميز على طول الممرات البحرية الرئيسية، من البحر الأحمر إلى المحيطين الهندي والأطلسي، يجعلها حلقة وصل حيوية في نظام التجارة العالمي، ما يتماشى مع رؤية مبادرة "الحزام والطريق" لتعزيز الترابط والتبادل التجاري بين الدول. وإن أفريقيا تمثل صوتا أساسيا في المجتمع الدولي، حيث تضم 54 دولة تعمل معا في المحافل الدولية من أجل نظام عالمي أكثر عدالة وتوازنا. والصين تقدر هذا الدور، وتحرص على التنسيق مع الدول الأفريقية في القضايا ذات الاهتمام المشترك، انطلاقا من مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وتعكس الأرقام هذا الاهتمام المشترك: فحجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا ارتفع من نحو عشرة مليارات دولار أمريكي في عام 2000 إلى أكثر من 280 مليار دولار أمريكي في 2023، لتظل الصين الشريك التجاري الأول لأفريقيا للعام الخامس عشر على التوالي. لكن الأهم من الأرقام، هو ما تمثله هذه الشراكة من نموذج للتعاون بين دول "الجنوب العالمي"، القائم على المنفعة المتبادلة والاحترام والتنمية المشتركة.

مشروعات كبرى تغير مشهد التنمية

لا تقتصر مبادرة "الحزام والطريق" في أفريقيا على مذكرات تفاهم أو استثمارات مالية، بل تترجم إلى مشروعات بنية تحتية ضخمة تعيد رسم خرائط النقل واللوجستيات في عدد من الدول المحورية، بدأت بخط السكة الحديد بين مومباسا ونيروبي في كينيا، الذي افتتح في عام 2017 بتمويل من الصين بنحو 4ر3 مليارات دولار أمريكي، وبطول يقارب 472 كيلومترا، والذي يعد أحد أبرز مشروعات مبادرة "الحزام والطريق" بما له من أثر مهم في التنمية، فقد خفض زمن الرحلة بين المدينتين من أكثر من عشر ساعات إلى نحو أربع ساعات فقط، ووفقا لأحدث الإحصائيات حتى 31 مايو 2025، بلغ إجمالي عدد الركاب الذين استقلوا القطار 342ر15 مليون راكب، كما نُقل عبره أكثر من 396ر40 مليون طن من البضائع. كما أسهم الخط، منذ بدء إنشائه وتشغيله، في توفير أكثر من 74 ألف فرصة عمل، غالبيتها للعمالة المحلية الكينية. الأهم أن هذا الخط ليس مشروع نقل فحسب، وإنما أيضا رافقته خطط لتطوير مناطق صناعية ولوجستية على امتداد مساره، ما يعزز الربط بين الموانئ والأسواق الداخلية.

وفي جيبوتي، التي قد يراها البعض مجرد دولة صغيرة المساحة لكنها في الواقع كبيرة الأهمية حيث تعد بوابة القرن الأفريقي، يمثل ميناء "دوراليه" المتعدد الأغراض واحدا من أعمدة التعاون الصيني-الأفريقي، فالميناء، الذي شاركت في تطويره وتمويله الشركات الصينية، يعزز مكانة جيبوتي كمركز لوجستي إقليمي، ويحقق لها مكاسب إستراتيجية وتنموية، حيث يرفع القدرة الاستيعابية للميناء ليصبح قادرا على استقبال السفن العملاقة، ويدعم حركة التجارة لدول حبيسة مثل إثيوبيا، التي يمر عبر جيبوتي 90% من تجارتها الخارجية، كما يساهم في زيادة إيرادات الدولة وتحويل الخدمات اللوجستية إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

وفي شمال غربي خليج السويس بمصر، تبرز المنطقة الاقتصادية الخاصة الصينية- المصرية كأحد أهم نماذج التعاون الصناعي ضمن مبادرة "الحزام والطريق". هذا المشروع، الذي بدأ منذ أكثر من عشر سنوات وتوسع في إطار المبادرة، يستهدف جذب الصناعات التحويلية والتصديرية، حيث استقطب عشرات الشركات الصينية في مجالات مثل الألياف الزجاجية ومواد البناء والصناعات الهندسية، ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة، مع برامج تدريب ونقل خبرات، كما يعزز الصادرات الصناعية المصرية ويربطها بسلاسل القيمة العالمية.

ويعد هذا النموذج دلالة هامة على تحول المبادرة من مجرد مشروعات بنية تحتية إلى شراكات إنتاجية طويلة الأمد.

تأثير المبادرة على التنمية في أفريقيا

منذ إطلاق مبادرة "الحزام والطريق" قبل أكثر من عقد، تمكنت الشركات الصينية من خلق ملايين فرص العمل في أفريقيا، سواء بشكل مباشر في مواقع البناء أو بشكل غير مباشر في القطاعات الخدمية والصناعية المرتبطة. بالإضافة إلى تأثير في غاية الأهمية، وهو اتجاه الصين في السنوات الأخيرة إلى زيادة برامج التدريب ونقل المهارات، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة العمالة المحلية في المشروعات إلى أكثر من 80% في بعض الدول.

ومن التأثيرات المهمة للمبادرة في أفريقيا، عملية تطوير البنية التحتية، حيث تشمل استثمارات المبادرة في أفريقيا، أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، وما يقرب من مائة ألف كيلومتر من الطرق، كما شاركت في تطوير أكثر من ثلاثين ميناء تجاريا والعديد من مشروعات محطات الطاقة. تسهم هذه المشروعات في خفض تكاليف النقل وتحسين الربط الإقليمي وتعزيز التكامل بين الدول الأفريقية، وهو ما يعد شرطا أساسيا لأي تنمية اقتصادية مستدامة.

كما ارتفعت الاستثمارات الصينية المباشرة في أفريقيا لتتجاوز أربعين مليار دولار أمريكي، بينما توسعت الشركات الأفريقية في النفاذ إلى السوق الصينية، خاصة في قطاعات الزراعة والمنتجات الغذائية.

المبادرة تعزز التنمية المستدامة

يظل مفهوم "التنمية المستدامة" محورا أساسيا في تقييم مبادرة "الحزام والطريق". وفي هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا في الخطاب والممارسة الصينية، من حيث التركيز على مشروعات الطاقة المتجددة بدلا من الفحم، وإدماج معايير بيئية في التمويل والتنفيذ، ودعم مبادرات "الحزام والطريق الأخضر". ورغم أن التحديات لا تزال قائمة، فإن الاتجاه العام يشير إلى مواءمة متزايدة بين مشروعات المبادرة وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع.

مستقبل العلاقة الصينيةالأفريقية

بحسب أحدث البيانات، انضمت أكثر من 50 دولة أفريقية إلى البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق"، عبر توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون، مما يعكس قبولا واسعا للمبادرة داخل القارة وإلتزاما بتطوير شراكات طويلة الأمد. هذا العدد الكبير من الدول المشاركة يدل على مدى الثقة المتنامية في دور المبادرة كأداة تنموية مهمة، ويتيح فرصا لتنسيق أكبر لمشروعات مستقبلية في مجالات إضافية، مثل الرقمنة والتعليم والصحة.

وتشير الخطط المعلنة في الدورات المختلفة لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي، إلى مرحلة جديدة من الشراكة، تركز على مشروعات التحول الرقمي من خلال شبكات الاتصالات، والمدن الذكية والتجارة الإلكترونية. أما في مجالات الصناعة المحلية فالمستقبل يحمل نقل خطوط إنتاج كاملة إلى أفريقيا، بالإضافة إلى مشروعات مستقبلية في الزراعة الحديثة باستخدام التكنولوجيا الزراعية، ومشروعات الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.

ومع تزايد عدد الدول الأفريقية المنضمة رسميا إلى البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق"، يبدو أن العلاقة تتجه نحو تعميق الطابع التنموي طويل الأمد، بدلا من الاكتفاء بالمشروعات المنفصلة. إن مبادرة "الحزام والطريق" لم تغير شكل التنمية في أفريقيا بين ليلة وضحاها، لكنها بلا شك أسهمت في كسر حلقة تاريخية من ضعف البنية التحتية وقلة الترابط الإقليمي. وبين الأرقام والمشروعات والفرص، تظل النتيجة مرهونة بقدرة الدول الأفريقية على توظيف هذه المبادرة ضمن رؤاها الوطنية للتنمية، بما يحقق شراكة متوازنة ومستدامة.

--

محمد المعتصم، مدير عام تحرير صحيفة ((الدستور)) المصرية.


   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号