share
arabic.china.org.cn | 25. 02. 2026

مقالة خاصة: "دوري الحارات" يعيد شيئا من نبض الحياة إلى غزة في رمضان

arabic.china.org.cn / 10:31:43 2026-02-25

غزة 24 فبراير 2026 (شينخوا) بعد يوم طويل من الصيام في شهر رمضان، ومع اقتراب موعد الإفطار، يتجمع عشرات الفتية والشبان في قطعة أرض رملية داخل حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، ستقام عليها مباريات ما يعرف محليا بـ"دوري الحارات".

في هذه المساحة البسيطة، التي كانت حتى وقت قريب مغطاة بركام منازل مدمرة، تنطلق مباريات هذا الدوري، وهو تقليد شعبي سنوي اعتاد سكان القطاع إحياءه خلال شهر الصيام، ويشكل لهم متنفسا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.

ورغم أن الأرض تبدو غير مستوية تماما، وفي أطرافها بقايا حجارة كبيرة لم تزل بعد، لكن ذلك لا يمنع اللاعبين من الاصطفاف وبدء المباراة. حدود الملعب يرسمها الجمهور بأجسادهم، فيما تتحول الجدران المتشققة المحيطة إلى ما يشبه مدرجات مفتوحة على السماء.

ويقول حمدي الشمالي (17 عاما) أحد اللاعبين بينما يشد رباط سرواله الرياضي استعدادا لبدء المباراة لوكالة أنباء ((شينخوا)) "نحن لا نركض خلف كرة، بل نركض لنشعر بالحرية".

ويحكي الملعب ذاته قصة المكان. فقبل أشهر، كانت هذه المساحة مليئة بأعمدة الباطون المحطمة وقطع الخرسانة المتناثرة من منازل دمرها القصف الإسرائيلي.

ويستذكر الشمالي تلك الأيام قائلا "تكاتف كل شباب الحارة ورجالها وأطفالها يدا بيد لإزالة الركام. كنا نعمل لساعات طويلة لنفتح ممرا صغيرا بين أكوام الحجارة". وبعد إزالة الأنقاض، نقلوا رمالا ناعمة من شاطئ البحر وفرشوها على الأرض، حتى صارت المساحة صالحة للعب.

ويتكون كل فريق من خمسة لاعبين بينهم حارس مرمى. معظمهم يلعبون حفاة، ليس اختيارا بل اضطرارا، في ظل نقص الأحذية الرياضية وارتفاع أسعارها إن وجدت.

ومع ذلك، لا تبدو الأقدام الحافية عائقا أمام الحماس حيث تتطاير الرمال مع كل اندفاعة، وتعلو صيحات الفرح أو الحسرة بحسب مجريات اللعب.

ويوضح الشمالي أن هذه الدوريات كانت تقام كل عام خلال شهر رمضان، لكنها انقطعت خلال العامين الماضيين بسبب الحرب وما رافقها من قتل وتجويع ونزوح.

ويقول "افتقدنا هذه الأجواء. رمضان بلا دوري الحارات كان مختلفا، كأن شيئا أساسيا ينقصنا".

إلى جانب الشمالي، يشارك في الفريق ذاته الشاب سامر الكحلوت (18 عاما)، الذي يقف صامتا للحظات قبل أن يبدأ المباراة، وكأنه يستجمع أنفاسه لا للركض فقط، بل لشيء أعمق.

ويقول سامر لـ((شينخوا)) "كرة القدم بالنسبة لي لم تعد مجرد لعبة، بل وسيلة لأفرغ كل ما بداخلي".

قبل الحرب، كان سامر يلعب في هذا الدوري برفقة شقيقيه الأكبر منه سنا. كانوا يشكلون معا خط الهجوم في فريق الحارة، ويتنافسون بحماس مع فرق الأحياء المجاورة.

ويستذكر تلك الأيام قائلا "كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر. قبل الإفطار نحمل الكرة وننزل إلى الشارع. إخوتي كانوا أقرب أصدقائي".

لكن الحرب غيرت كل شيء. فقد سامر شقيقيه خلال إحدى الغارات التي استهدفت محيط منزلهم. ومنذ ذلك الوقت، أصبح المنزل أكثر هدوءا وغرفته التي كان يتشاركها معهما خالية إلا من صور قديمة وقميص رياضي معلق على الجدار.

ويقول سامر بصوت منخفض لـ ((شينخوا)) "في البداية لم أستطع الاقتراب من الملعب. كل زاوية فيه تذكرني بهما. كنت أشعر أن اللعب بدونهما خيانة لذكرياتهما".

لكنه بعد أشهر من العزلة، وجد نفسه يعود تدريجيا إلى المكان ذاته، مدفوعا برغبة في استعادة شيء من ذاته القديمة.

ويضيف "عندما أركض خلف الكرة، أشعر أنني أتنفس من جديد. كأنني أترك الحزن خلفي ولو لدقائق. أحيانا أتخيل أن أخوتي يشاهدونني من بعيد، فأحاول أن ألعب كما كنا نفعل معا".

ويعمل سامر حاليا مع والده في إصلاح ما تبقى من منزلهم المتضرر، ويساعد أسرته في توفير احتياجاتها اليومية. يومه يبدأ باكرا بين إزالة الأنقاض وترميم الجدران، وينتهي غالبا عند هذا الملعب الرملي.

ويقول "الحياة أصبحت مليئة بالمسؤوليات، لكنني أحتاج إلى هذه الساعة من اللعب. هي تفريغ نفسي حقيقي".

وتتكون المباراة الواحدة في الدوري من شوطين مدة كل منهما ربع ساعة. وإذا أحرز فريق هدفين قبل انتهاء الوقت يعد فائزا وينتقل إلى الدور التالي.

وفي حال التعادل، يحتكم اللاعبون إلى ركلات الترجيح، التي غالبا ما تحبس أنفاس الجمهور المصطف حول الملعب.

وتحمل عدة فرق أسماء المخيمات التي ينحدر منها اللاعبون، مثل "مخيم العودة" و"مخيم الوحدة"، فيما تختار فرق أخرى أسماء مستوحاة من أندية عالمية مثل الملكي (ريال مدريد) أو الشياطين الحمر (مانشستر يونايتد).

ويبتسم سامر وهو يشرح "الأسماء تعكس ما نحبه أو ما نعيشه. لكنها في النهاية مجرد إطار للمتعة".

في الجهة المقابلة، يقف حارس المرمى عثمان حرارة (16 عاما)، يرتدي قفازا في يد واحدة فقط، إذ فقد الأخرى تحت ركام منزل عائلته الذي دمر خلال الحرب. ورغم ذلك، يتحرك بخفة لصد الكرات.

ويقول حرارة لـ((شينخوا)) "نحن شعب نحب الحياة. نمارس كرة القدم لنؤكد أننا باقون".

مع كل هدف يسجله سامر أو أحد زملائه، يرفع يديه نحو السماء للحظة قصيرة، في إشارة يفهمها المقربون منه جيدا. ويقول "كل هدف أهديه لأخوتي. أشعر أنني أستعيد جزءا من حماسي الذي فقدته برحيلهما".

على طرف الملعب، يجلس المسن توفيق أبو عاصي يتابع المباراة بعينين تلمعان بالحماس. ويقول إنه يواظب منذ سنوات على حضور هذه المباريات لما تمنحه من متعة خاصة لأهالي الحي.

ويضيف "حين أرى هؤلاء الشباب يلعبون رغم كل ما مروا به، أشعر أن غزة ما زالت تنبض".

مع اقتراب أذان المغرب، تتباطأ وتيرة اللعب، لكن الحماس لا يخفت. تنتهي المباراة، ويتصافح اللاعبون وسط تصفيق الحضور. لا توجد جوائز مالية ولا كؤوس فاخرة، بل شعور بالإنجاز والانتماء يكفي للاستمرار.

وفي مدينة ما زالت تضمّد جراحها، يبدو "دوري الحارات" أكثر من مجرد بطولة رمضانية. إنه مساحة للتفريغ النفسي، ولمداواة خسارات شخصية عميقة، ومحاولة جماعية لإعادة تعريف الحياة وسط الدمار.

وبين أقدام حافية تركض فوق الرمل، يحاول كل من الشمالي وسامر وأقرانهما استعادة حماس سرقته الحرب، وإقناع أنفسهم قبل العالم بأن الفرح، مهما كان بسيطا، ما زال ممكنا. 

   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号