share
arabic.china.org.cn | 04. 01. 2026

رأي ضيف: "مهمة العدالة 2025"...ردّ صيني متوازن على استفزاز أمريكي متعمّد

arabic.china.org.cn / 20:47:08 2026-01-04

بقلم: مجدي عبد العزيز

أجرت الصين مؤخرا مناورات "مهمة العدالة 2025" في مضيق تايوان، لتعبر عن موقف ثابت يؤكد أن مسألة تايوان شأن سيادي داخلي للصين لا يقبل المساومة أو التدخل الخارجي، إضافة إلى بعثها برسالة سياسية وعسكرية واضحة مفادها أن أي تجاوز للخط الأحمر في المسألة سيواجه بتدابير حازمة، وأن أي محاولات لإعاقة مسار التوحيد الوطني محكوم عليها بالفشل.

وجاء الردّ الصيني متدرجا وحكيما، جامعا بين أدوات عدة، إذ فرضت بكين عقوبات على شركات الدفاع الأمريكية المشاركة في صفقات تسليح تايوان، وأكدت في الوقت ذاته قدرتها على حماية سيادتها ومنع أي تدخل خارجي، مشددة على أن أي استفزاز عسكري أو سياسي سيتلاشى أمام تصميمها على الحفاظ على وحدة أراضيها. ومن هذا المنطلق، تُظهر المناورات أن الأمر لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يحمل رسالة استراتيجية واضحة مفادها أن الاستقرار الحقيقي في مضيق تايوان لا يُصنع بالتهديد أو التسليح، وإنما بالالتزام الصارم بالخطوط الحمراء السيادية.

كما جاءت هذه المناورات تأكيدا إضافيا على أن مسألة تايوان ليست ملفا قابلا للمساومة أو للمناورات الجيوسياسية، بل شأن سيادي داخلي بحت. وفي هذا السياق، شددت الصين بوضوح على أنها لن تقبل أي محاولة لعرقلة جهودها في مكافحة النزعات الانفصالية أو التدخل في شؤونها الداخلية تحت أي ذريعة، بما في ذلك الادعاءات الزائفة بالحفاظ على السلام عبر مضيق تايوان. فالتجربة القريبة تثبت أن عسكرة الجزيرة وتسليحها لا تصنع سلاما، بل تغذي أوهام الانفصال وتدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

إن ما قامت به الصين من خلال "مهمة العدالة 2025" هو إجراء مشروع بالكامل، يندرج في إطار حقها السيادي في الدفاع عن وحدة أراضيها. كما يؤكد حقيقة كثيرا ما يتم تجاهلها في الخطاب الغربي، وهي أن الوضع الراهن الحقيقي في مضيق تايوان يقوم على أن جانبي المضيق ينتميان إلى صين واحدة، وأن التهديد الأكبر للسلام والاستقرار لا يصدر من بكين، بل من النزعات الانفصالية داخل الجزيرة، ومن الدعم الخارجي السياسي والعسكري الذي يغذيها.

وعليه، لا تسعى الصين إلى تغيير الواقع بالقوة كما يُروَّج، بل إلى منع فرض واقع مصطنع يتناقض مع الشرعية الدولية والتاريخ، ويحمل في طياته مخاطر صراع واسع النطاق.

إن تجاهل الولايات المتحدة لهذه الحقائق، والاستمرار في تسليح تايوان ودعم الخطاب الانفصالي، لا يخدم السلام، بل يدفع المنطقة خطوة إضافية نحو المجهول. وقد مثّلت صفقة السلاح الأمريكية الأخيرة مع تايوان نموذجا صارخا لكيفية توظيف القوة العسكرية في تعميق الأزمات بدلا من حلها، وتحويل بؤر التوتر إلى نقاط اشتعال دائمة في النظام الدولي.

وجاءت هذه الصفقة في سياق نمط متكرر من عمليات تسليح الجزيرة، غالبا ما تتزامن مع خطاب أمريكي مكثف حول "حماية الديمقراطيات" في منطقة الإندو- باسيفيك، متجاهلا عمدا الأساس القانوني والسيادي الذي يحكم قضية تايوان منذ عقود، فضلًا عن التغاضي عن الالتزامات الدولية التي تعهدت بها واشنطن نفسها في هذا الملف.

فتايوان، وفقا للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، جزء لا يتجزأ من الصين. كما أقرت الولايات المتحدة رسميًا، في البيانات الصينية-الأمريكية الثلاثة الصادرة أعوام 1972 و1979 و1982، بمبدأ صين واحدة، وتعهدت بتقليص مستوى مبيعات السلاح لتايوان والامتناع عن دعم النزعات الانفصالية داخل الجزيرة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع صفقة السلاح الأخيرة باعتبارها صفقة تجارية عادية، بل هي انتهاك صريح لالتزامات دولية وقانونية وقّعت عليها واشنطن، وتحويل متعمّد لمضيق تايوان إلى ساحة توتر مفتوحة على احتمالات التصعيد في أي لحظة.

وتدّعي الإدارة الأمريكية أن هذه الصفقات تهدف إلى "الحفاظ على الاستقرار"، غير أن هذا الادعاء يفتقر إلى أي منطق استراتيجي. فأي استقرار يمكن تحقيقه عبر ضخ كميات هائلة من السلاح عالي التقنية على مقربة مباشرة من حدود الصين؟ وكيف يمكن لسباق تسلح متسارع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية أن يفضي إلى سلام دائم؟

إن التجارب الدولية تؤكد حقيقة بسيطة: كلما اقترب السلاح من حدود دولة ما، ارتفعت احتمالات الصدام، وتراجعت فرص التسوية السلمية.

ما تقوم به واشنطن هو عسكرة متعمّدة لتايوان، تهدف إلى رفع كلفة أي مسار مستقبلي لإعادة التوحيد السلمي، وتشجيع قوى سياسية داخل تايبي على المضي في خيارات انفصالية خطيرة. وهي خيارات لا تخدم أمن سكان الجزيرة، بقدر ما تضعهم في قلب معادلة صراع دولي يتجاوزهم بالكامل.

ولا تخفى الأبعاد الحقيقية لهذا التوجه، إذ تستخدم واشنطن تايوان كورقة صراع جيو-استراتيجي، وتغامر بمستقبل الجزيرة دون أي مسؤولية أخلاقية، فيما سيدفع السكان الثمن باهظا، بينما لا يستفيد من هذا المسار سوى شركات صناعة السلاح الأمريكية.

كما تحمل صفقة السلاح أعباء اقتصادية ثقيلة لن تقتصر على تايوان وحدها، بل تمتد آثارها إلى الإقليم بأسره. فستجد تايبي نفسها أمام التزامات مالية متزايدة لتمويل منظومات عسكرية عالية الكلفة تشغيلا وصيانة، في وقت يعاني فيه اقتصاد الجزيرة من تباطؤ في معدلات النمو وتراجع في مؤشرات التجارة الخارجية، ما يعني أن هذه الخطوة تأتي بعكس منطق الأولويات الاقتصادية، وتدفع إلى تحويل موارد ضخمة من قطاعات التعليم والبنية التحتية والابتكار التكنولوجي، وهي القطاعات التي قامت عليها نهضة تايوان أساسا.

كما سيكون الاقتصاد التايواني أول المتضررين في حال التصعيد، خاصة إذا لجأ البر الرئيسي الصيني، بوصفه الشريك التجاري الأول للجزيرة، إلى استخدام أدوات ضغط واقعية، مثل القيود الجمركية، وحظر استيراد سلع استراتيجية، وفرض إجراءات تدقيق فني إضافية على الواردات التايوانية.

أما على المستوى الإقليمي، فإن عسكرة مضيق تايوان سترفع تكاليف التأمين البحري على حركة التجارة عبر أحد أهم الممرات الدولية، ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع والطاقة في دول شرق آسيا، ويزيد من مخاطر اضطراب سلاسل التوريد العالمية.

وبناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى الصفقة الأمريكية الأخيرة باعتبارها خطوة دفاعية، بل هي مقامرة بأمن الإقليم، واستفزاز مباشر للصين، وتقويض متعمّد لفرص إعادة التوحيد السلمي، وتهديد واضح للاستقرار الاقتصادي في شرق آسيا والعالم.

وعليه، فإن موقف الصين لا يمثل دفاعا عن مبدأ سيادي فحسب، بل دفاعا عن الاستقرار الإقليمي والدولي في مواجهة سياسات الهيمنة والمغامرات قصيرة النظر.

قد تختلف الحسابات الدولية، لكن حقيقة واحدة تبقى ثابتة: الصين لن تسمح بتهديد وحدتها الوطنية، وستظل تايوان جزءا لا يتجزأ من الصين، مهما حاولت التدخلات الخارجية تشويش المشهد.

وعلى الولايات المتحدة أن تدرك أن الالتزام بمبدأ صين واحدة، واحترام الخطوط الحمراء السيادية، هو الطريق الوحيد للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومنع تحوّل مضيق تايوان إلى بؤرة صراع دولي مفتوح.

ومن هذا المنطلق، يصبح التمسك العالمي بمبدأ صين واحدة ضرورة سياسية وقانونية وأخلاقية، لا مجرد خيار دبلوماسي انتقائي، إذ يشكّل هذا المبدأ حجر الأساس للنظام الدولي المعترف به، وأي إخلال به لا يهدد استقرار مضيق تايوان فحسب، بل يقوّض مصداقية القانون الدولي ذاته، ويفتح الباب أمام سوابق خطيرة في قضايا السيادة ووحدة الأراضي.

ملحوظة المحرر: مجدي عبد العزيز، هو إعلامي وباحث سياسي سوداني، نائب رئيس مجلس إدارة قناة الزرقاء الفضائية ورئيس تحرير صحيفة "الرواية الأولى".

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号