| arabic.china.org.cn | 27. 11. 2025 | ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
بقلم: المهندسة هبة عباس محمد عباس
الكويت 26 نوفمبر 2025 (شينخوا) من بين كل التحديات التي يواجهها عالمنا العربي اليوم، يبقى الماء العصب الأكثر حساسية، والملف الأكثر تأثيرًا على الأمن والاستقرار والتنمية.
وبرأيي، فإن مشكلة المياه لم تعد شأنًا بيئيًا أو خدميًا فحسب، بل أصبحت مسألة أمن قومي لا تقل أهمية عن الطاقة أو الغذاء أو الاستقرار السياسي، هذا الإدراك دفعني إلى التوقف أمام التقرير الصيني الأخير حول "استراتيجية الأنهار في العصر الجديد"، ليس لأجل مقارنته بواقعنا فقط، بل لفهم الفلسفة التي تقف وراءه، وما إذا كان بالإمكان استلهام بعض ملامحه لبناء سردية عربية جديدة للأمن المائي.
وقد لفت انتباهي في التقرير فكرة أساسية أحسبها جوهر التحول الذي حققته الصين: أن إدارة المياه ليست مشروع بنية تحتية، بل مشروع دولة، الصين لا تتعامل مع الأنهار كموارد مائية منفصلة، بل كمؤسسات وطنية تحمل ذاكرة المكان، وتخدم التنمية، وتحمي الاستقرار، وتدعم الاقتصاد، هذه المقاربة الشمولية تفتح بابًا واسعًا للتفكير في واقع منطقتنا العربية، حيث تتقاطع الندرة الطبيعية مع ضغوط المناخ ومع تزايد الطلب، مما يجعل الحاجة إلى "رؤية متماسكة" أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لقد وجدت في التجربة الصينية ما يتجاوز الأرقام والإنجازات، وجدت منهجًا كاملًا في التفكير، يبدأ من الاعتراف بأن الماء أساس الاستدامة، ويمتد إلى تصميم سياسات تعمل على حماية الموارد وتطويرها، لا في حاضر الدولة فقط، بل في مستقبل أجيالها، ورغم أن الصين تمتلك نسبة محدودة من المياه العذبة عالميًا، فإنها استطاعت إدارة مواردها بكفاءة تسمح لها بتأمين احتياجات مجتمع ضخم، وتدعم نمو اقتصاد عالمي التأثير، وهذه الحقيقة، من منظور عربي، تكشف أن حجم الموارد ليس معيار النجاح؛ بل الرؤية، والسياسة، والحوكمة.
وعندما ننظر إلى الشرق الأوسط بعين واقعية، نجد أن التحديات المائية تتزايد بوتيرة سريعة. درجات الحرارة ترتفع، الموارد الجوفية تتراجع، الاعتماد على التحلية يتنامى، والضغط السكاني يتزايد في مدن تتوسع بلا توقف. ومع ذلك، ما تزال السياسات المائية في كثير من الدول أسيرة التفكير قصير المدى، ومتعلقة بتوفير المياه اليوم، أكثر من صياغة إطار يحمي الأمن المائي لعقود قادمة. هنا بالضبط، برأيي، تكمن قيمة تجربة الصين بالنسبة للعالم العربي: ليست في تكرار ما فعلته، بل في فهم طريقة تفكيرها.
ولأن هذا المقال هو قراءة شخصية، أرى أن أهم ما يمكن للعرب أن يستفيدوه من التجربة الصينية يتمثل في التحول من إدارة الموارد إلى إدارة المخاطر.
فالصين اختارت أن تستبق التحديات بدل أن تنتظرها، وأن توظف التكنولوجيا كعنصر أساسي في إدارة المياه، من مراقبة الجودة إلى نظم الإنذار المبكر، ومن التحليل الرقمي للأحواض إلى تحسين الكفاءة في كل قطاعات الاستهلاك.
هذا التحول يمكن أن يحدث فارقًا حقيقيًا في الشرق الأوسط، خاصة وأن معظم دوله تستثمر اليوم في الطاقة المتجددة والتحلية، لكنها ما تزال بحاجة إلى منظومات أذكى تربط الماء بالغذاء والطاقة والمناخ والاقتصاد في إطار واحد.
كما أن التقرير يعيد التأكيد على أهمية الإدارة المتكاملة للأحواض المائية، وهي فكرة محورية لمنطقتنا التي تتشارك في عدة أنهار ومياه جوفية عابرة للحدود.
في رأيي، لا يمكن لأي دولة عربية أن تحمي أمنها المائي بمعزل عن جيرانها. فالمياه بطبيعتها عابرة، ولا تحترم الحدود السياسية. والتعاون الإقليمي - الذي طالما ظل شعارًا أكثر منه واقعًا - قد يكون نقطة الانطلاق العملية لصياغة نهج جديد يعزز الاستقرار ويقلل النزاعات ويخلق فرصًا تنموية مشتركة.
إن ما يجعلني أؤمن بالحاجة إلى سردية عربية جديدة للأمن المائي هو إدراكي بأن التحديات القادمة لن ترحم من يكتفي بالحلول المؤقتة، نحن بحاجة إلى فكر يخاطب المستقبل مثلما يخاطب الحاضر، وإلى رؤية تشبه تلك التي قدمتها الصين، لكنها تنبع من واقعنا العربي، وتستجيب لاحتياجاتنا، وتستثمر نقاط قوتنا، وتواجه نقاط ضعفنا.
وفي الختام، أرى أن التقرير الصيني ليس مجرد وثيقة تقنية، بل دعوة إلى التفكير العميق، دعوة إلى أن نعيد النظر في علاقتنا بالماء، وأن نفهم أن الأمن المائي هو حجر الأساس الذي تُبنى عليه استدامة الدولة العربية، وإذا كنا نريد شرقًا أوسطًا أكثر استقرارًا وأمنًا، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون في إعادة صياغة مفهوم الأمن المائي، وجعله جزءًا من السردية العربية الكبرى التي تحمي مستقبلنا وتضمن بقاءنا في عالم لا يتوقف عن التغير.
ملحوظة المحرر: المهندسة هبة عباس، هي رئيسة لجنة الاستدامة في جمعية المياه الكويتية ومستشارة فنية لدى الجمعية، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر العالمي للمرافق 2026.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتبة ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).
![]() |
|
![]() |
انقلها الى... : |
|
China
Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000 京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号 |