share
arabic.china.org.cn | 08. 08. 2025

(صوت الجنوب) وجهة نظر: حتمية الشراكة المصيرية بين الصين والعرب

arabic.china.org.cn / 08:45:20 2025-08-08

بقلم: الدكتور محمد العرب

المنامة 7 أغسطس 2025 (شينخوا) ليست المسألة ترفاً جيوسياسياً ولا اختياراً اقتصادياً عابراً، بل هي حتمية تاريخية تعود جذورها إلى عمق الرمال وامتداد الحرير، فالشراكة بين العرب والصين لم تعد احتمالاً في دفاتر الاستراتيجيات، بل ضرورة تفرضها موازين القوى الجديدة، وتحولات العالم التي تسير بثبات نحو شرق يعيد تشكيل النظام العالمي وفق إيقاع لا يُجامل الغرب ولا ينتظر إذنه.

لقد أدركت بكين باكراً أن الوصول إلى المستقبل لا يتم عبر المجادلة مع الحضارات المنهارة، بل عبر التحالف مع القوى التي تملك الأرض والثروة والموقع والتاريخ.. وهذا ما تمثله المنطقة العربية.

أما العرب، الذين عانوا لعقود من التبعية الأحادية، فقد باتوا اليوم أكثر وعياً بأن التعددية في الشراكات هي بوابتهم الوحيدة للنجاة من استنزاف الغرب لهم اقتصادياً، وابتزازهم ثقافياً، والتلاعب بمصائرهم سياسياً.!

لا أحد يمكنه تجاهل أن العالم يعيش لحظة تحول بنيوي، التراخي الأمريكي في إدارة شؤون العالم لم يعد مجرد ملاحظة، بل حقيقة ملموسة، أوروبا تتآكل من الداخل، منهكة من أوهامها، مثقلة بأزماتها البنيوية والهووية.

أما الصين، فقد صعدت بثبات وذكاء، وراكمت ما يكفي من القوة الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية لتكون قطباً متكافئاً بل ومنافساً شرساً والسؤال لم يعد: هل ستصبح الصين قوة عظمى؟ بل: متى ستُحكم قواعد اللعبة بمعايير صينية؟

في هذا المشهد، تقف المنطقة العربية عند مفترق طرق، إما أن تكون طرفاً فاعلاً في النظام الجديد، أو تبقى مجرد سوق استهلاكية وموطئاً للهيمنة، والتحالف مع الصين هو أكثر من مجرد تبادل تجاري أو مشاريع بنية تحتية… إنه إعلان تحرر ضمني من عباءة المركزية الغربية، وتأسيس لمرحلة جديدة قوامها التوازن لا التبعية.

الصين لا تُقدم نفسها كبديل أيديولوجي، ولا تفرض وصايتها عبر شعارات ديمقراطية جوفاء كما تفعل واشنطن، ما تعرضه بكين هو مصالح واضحة، وتفاهمات متبادلة، وأفق ممتد للتعاون المشترك، يبدأ من الطاقة ولا ينتهي عند التكنولوجيا أو الأمن الغذائي أو النقل البحري.

الصين تنظر إلى الخليج العربي كمحور إمداد حيوي، وإلى المشرق العربي كبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، وإلى شمال إفريقيا كامتداد طبيعي لطريق الحرير البحري.

أما العرب، فهم يرون في الصين نموذجاً اقتصادياً ناجحاً بدون استعمار، وشريكاً يحترم الخصوصيات ولا يعبث ببنية الدول من الداخل.

الحتمية هنا لا تأتي من العواطف، بل من الأرقام، الصين هي الشريك التجاري الأول للعديد من الدول العربية، الاستثمارات الصينية في العالم العربي تجاوزت 200 مليار دولار خلال العقد الأخير، وتزايد الاعتماد على الصين في مجالات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي، الجيل الخامس، الطاقة المتجددة، الموانئ الذكية، والنقل فائق السرعة.

لا يمكن لدولة عربية واحدة أن تتجاهل هذا الزخم، في المقابل، تسعى بكين إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة، وتثبيت نفوذها في الممرات الحيوية التي تشكل (عنق الزجاجة) في التجارة العالمية، مثل قناة السويس، مضيق هرمز، وباب المندب.

لكن الأهم من كل ذلك هو التحول الثقافي الكامن خلف هذه الشراكة، فالصين، التي تفهم جيداً معنى الإهانة التاريخية، تجد في العرب أمة تشاطرها الذاكرة الجريحة من الاستعمار والتقسيم والنهب، هناك تقاطع وجداني غير معلن بين شعبين يسعيان لاستعادة مكانتهما، لا عبر الانتقام، بل عبر البناء المستمر.

وهذا ما يُكسب العلاقة بُعداً أعمق من أي اتفاقيات سياسية أو صفقات اقتصادية، إنها شراكة بين حضارتين تؤمنان بأن الصعود لا يعني سحق الآخر، بل تجاوزه.

لا شك أن الغرب ينظر بعين القلق إلى هذا التقارب، فكلما اقترب التنين من الهلال، ارتفعت أصوات التحذير من "التمدّد الصيني" في المنطقة، لكن الحقيقة أن العرب لا يغلقون أبوابهم في وجه أحد، بل يفتحون نوافذهم نحو تعددية متزنة، تُعيد إليهم زمام القرار، وتحررهم من ابتزاز "الداعم الواحد" في النهاية، من يملك البترول والموانئ والموقع الجغرافي والثقل السكاني لا يجب أن يظل تابعاً، بل عليه أن يختار شركاءه بشروطه لا بشروط الآخرين.

تحت الطاولة، تدور حروب ناعمة بين واشنطن وبكين على النفوذ في الشرق الأوسط، لكن الأذكى هو من يدرك أن العالم العربي لم يعد ملعباً فقط، بل بدأ يُمسك بصفارة الحكم، الصين تفهم ذلك، لذلك تطرح نفسها بصبر استراتيجي، بلا ضجيج، بلا تدخل فج، وبلا فرضٍ للمفاهيم الجاهزة، تقدم القطار لا الخطبة، والمصنع لا البيان، والصفقة لا الإنذار.

إن اللحظة التي نعيشها لا تحتمل الانتظار، فالاقتصادات تُعاد هندستها، والخرائط تُعاد رسمها، والتقنيات تُصنع لتُسيطر لا لتُستهلك فقط، ولأن العرب يجلسون فوق ثروات لا تُقدّر، ويمرون من طرق لا تُستبدل، فإن دورهم مرهون بوعيهم بأن الشراكة مع الصين ليست مجرد خيار .. بل مصير.

في هذه الشراكة، هناك فرصة لبناء نماذج جديدة من التنمية، لا تستنسخ الغرب، بل تتجاوزه، هناك مجال لصناعة تكنولوجيا عربية - صينية مشتركة، لنقل المعرفة لا البضائع فقط، هناك إمكانية لتأسيس تحالف مالي لا يمر عبر الدولار وحده، بل يفتح أبواباً لعملات جديدة، وأسواق ناشئة، ومنظومات دفع تتحدى احتكار الغرب للسويفت والنظام البنكي العالمي.

الصين والعرب ليسا حلفاء في وجه أحد، بل شركاء في بناء عالم متعدد، أكثر عدلاً، وأقل نفاقاً، عالم لا تحكمه الأخبار المفبركة ولا القواعد المزدوجة، بل المصالح الواضحة والعقود العادلة والتاريخ المشترك، ومتى ما أدرك العرب أنهم لم يعودوا مضطرين لانتظار الإذن من مراكز النفوذ التقليدية، فإنهم سيجدون في التنين الصيني شريكًا لا يُملي .. بل يُنجز.

نحن أمام لحظة يجب أن تُستثمر بذكاء، شراكة العرب مع الصين ليست خطراً كما يصورها الغرب، بل هي فرصة لإعادة التوازن للعالم، إنها لحظة التقاء الضرورة بالتاريخ، والحكمة بالموارد، والإرادة بالمسار، وحين يتقاطع التنين مع الهلال .. لا تعود اللعبة كما كانت.

ملحوظة المحرر: الدكتور محمد العرب، هو خبير ومحلل بحريني، ورئيس مركز العرب للرصد والتحليل.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).


   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
 
انقلها الى... :

مقالات ذات صلة

China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号