الصفحة الأولى | حجم الخط  

بوادر هامة لتعافي الاقتصاد الصيني وسط أزمة كوفيد-19

arabic.china.org.cn / 09:56:18 2020-05-21

د.أنس الزليطني شبّح *


21 مايو 2020 / شبكة الصين / منذ بداية أزمة كوفيد-19 في يناير 2020 في الصين، ظهرت مخاوف كبيرة حول مدى تأثر انتشار الوباء على الاقتصاد العالمي وتداعيات الأزمة الصحية على بقية القطاعات، حيث أن العديد من المجالات الاقتصادية قد تأثرت مباشرة، لتُعلن العديد من الدول سياسة العزل كخطوة أساسية لمكافحة انتشار الوباء، ما تسبب في أضرار جسيمة في العديد من القطاعات، مثل قطاع السياحة والطيران والتي تعتبر من أكثر القطاعات تضررا من كوفيد-19، حيث أن قطاع السياحة على سبيل المثال ساهم بنسبة 10.4% في الناتج المحلي العالمي في عام 2018، كما أن عدد العاملين فيه يفوق  319 مليون شخص في مختلف دول العالم أي يستحوذ هذا القطاع لوحده على نسبة 10% من العمالة العالمية، ونظرا لأهمية هذا القطاع، فإنه كان من أكثر القطاعات تضررا من أزمة كوفيد-19، لتصل التوقعات بأن القطاع سينكمش في هذا الموسم بنسبة 60% إلى 80%. أما قطاع الطيران، والذي تكبّد خسائر كبيرة على المستوى العالمي بعد تراجع مداخيل شركات الطيران بسبب العزل وحظر السفر لمكافحة الوباء، من المتوقع أن تصل خسائر إيرادات ركاب الخطوط الجوية العالمية إلى 314 مليار دولار أمريكي، بانخفاض بنسبة 55% مقارنة بعام 2019، وذلك حسب توقعات الاتحاد الدولي للنقل الجوي، وهو ما تسبب أيضا في تسجيل أكبر تراجع في حركة النقل الجوي في العالم منذ أربعة عقود. كما أنه هناك قطاعات أخرى على مستوى العالم قد لحقتها تأثيرات الأزمة الصحية، مثل قطاع صناعة السيارات والذي تعرض لـ"ضربة ثلاثية"، تتمثل في إغلاق المصانع، وتعطيل سلاسل الإنتاج ثم انهيار كبير للطلب. هذا بالإضافة إلى ما يترتب عن الركود في مختلف القطاعات الاقتصادية من فقدان عدد كبير من الوظائف على مستوى العالم، حيث أن حوالي 61% من إجمالي قوة العمل في العالم يعملون في القطاع غير الرسمي مهددة بصفة مباشرة جرّاء أزمة كورونا.

إن التأثيرات الاقتصادية السلبية على المستوى العالمي خلال وباء كورونا الجديد قد طالت أيضا كبرى اقتصادات العالم مثل الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان والدول الأوروبية، لكن من ناحية أخرى نرى أن الاقتصاد الصيني قد أظهر مرونة كبيرة وشهد تسارعا هاما في وتيرة استئناف النمو الاقتصادي، وذلك بعد النجاح في السيطرة الأساسية في مكافحة وباء كورونا الجديد. فالصين قد أظهرت تقدما واضحا في استئناف العمل، حيث استأنفت أكثر من 98.6% من الشركات الصينية الكبرى أعمالها، وحتى 15 ابريل، عادت 84% من المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى الإنتاج الطبيعي، وكلها شركات خارج مقاطعة هوبي الصينية، لتثبت الصين أن نجاحها في السيطرة بطريقة كبيرة وأساسية على الوباء ساهم في تفعيل وتنشيط الاقتصاد من جديد. جاء هذا النموذج الاقتصادي الصيني الجديد والمتمثل في إعادة تدوير عجلة الاقتصاد في غضون مكافحة الوباء، بعد إصدار سلسلة من القرارات الصادرة عن الحكومة الصينية منذ فبراير 2020، والتي لعبت دورا هاما في تفعيل ودعم نمو الاقتصاد الصيني المرن، وتتمثل هذه التدابير الهامة في مرحلة أولى، في تخصيص مئات المليارات من اليوان الصيني لمساعدة المؤسسات المتضررة من الوباء، وتخفيض الرسوم والضرائب على الشركات، بالإضافة إلى زيادة السندات المحلية التي تسعى إلى دعم وتوفير قروض تفضيلية منخفضة الفائدة للشركات. في مرحلة ثانية قدمت الحكومة الصينية تسهيلات نقدية لمواجهة التداعيات الاقتصادية إثر أزمة كوفيد-19، إذ قدم بنك الشعب الصيني 1.7 تريليون يوان من رأس المال العامل، مع توفير مئات المليارات من القروض منخفضة التكلفة للمؤسسات والشركات في الصين. ثم في مرحلة ثالثة، تم الإعلان عن تخفيضات هامة لنسبة متطلبات الاحتياطي لبعض المؤسسات المالية في الصين، وهو ما ساهم في ارتفاع رأس المال طويل الأجل الخاص للمؤسسات الصغرى، الأمر الذي يجعل تكاليف التمويل تحقق استقرارا نسبيا في السوق. فالصين خلال هذه الأزمة سعت إلى الدعم المالي والاستثماري للشركات المحتاجة، بهدف أن يستعيد اقتصادها حيويته من جديد.

ساهمت كل هذه القرارات في انتعاش الاستثمار داخل الصين وخاصة في مجال الاقتصاد الرقمي، الذي ظهر بصورة متكاملة وحيوية خلال هذه الأزمة في الصين، ولعبت البنية التحتية الجديدة الضخمة بمختلف أجزائها من شبكات الانترنت، وإنترنت الأشياء والإنترنت الصناعي، دورا هاما في مجال الاستثمار. كما ساهمت التوجيهات الصينية إلى تسجيل ارتفاع في الانتاج الصناعي ذو القيمة المضافة في الصين ليصل خلال أبريل 2020 إلى 3.9% على أساس سنوي، وذلك بعد تحقيق عودة أنشطة المصانع تدريجيا وسط تخفيف إجراءات إحتواء فيروس كورونا الجديد. كما ازداد الانتاج لصناعة التكنولوجيا العالية في الصين بنسبة 10.5% وصناعة المعدات بنسبة 9.3% على أساس سنوي، إذ حافظت شركات الإنترنت الكبرى التي تقدم الخدمات ذات الصلة في الصين على نمو الإيرادات في الربع الأول من العام الجاري، لتصل إيراداتها إلى حوالي 30.5 مليار دولار أمريكي بزيادة 1.5% على أساس سنوي، وذلك وفقا لوزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية. كما شهد قطاع السياحة والذي يعتبر الأكثر تضررا عالميا، نموا هاما في الصين منذ بداية شهر مايو 2020، إذ شهدت عطلة "عيد العمال" انتعاشا في حركة النقل والسياحة الداخلية الصينية بتنقل أكثر من 121 مليون مسافر داخلي، لتبلغ مداخيل السياحة المحلية لتلك الفترة أكثر من 47 مليار يوان صيني وتعطي بعدا حويا جديدا داخل الصين في بقية القطاعات الاستهلاكية.

يبدو أن أزمة كورونا قد جعلت العالم يفكر في ترتيب "أوراقه الاقتصادية" من جديد، وجعلت بقية دول العالم تُدقق أكثر في النموذج الصيني ومدى تأثير المبادئ الأساسية للصين على مسار العجلة الاقتصادية، فالرئيس الصيني شي جين بينغ قد اعتبر منذ سنوات أن مبدأ "مجتمع ذو مصير مشترك" سيخدم كل العالم في كل الظروف وفي كل المجالات، وهو ما نلمسه خلال حرب العالم ضد فيروس كورونا الجديد، فالصين تظهر خلال هذه الأزمة في نموذج جديد ومختلف جدا عن بقية دول العالم، فبعد السيطرة الأساسية على الوباء في الصين، قامت الأخيرة بتقديم تسهيلات عديدة للدول التي تستورد المواد الطبية منها، ومساعدة المناطق الأكثر تضررا في العالم جراء كوفيد-19، ثم الإعلان عن مجموعة من الإجراءات الهامة لتعزيز المكافحة العالمية لهذا الوباء، وذلك ما أكده شي جين بينغ خلال المؤتمر الـ73 لجمعية الصحة العالمية بتاريخ 18 مايو الجاري، لتعلن الصين عن دعمها المالي والصحي لبقية دول العالم خلال هذه الأزمة، من خلال تقديم ملياري دولار أمريكي من المساعدات الدولية لدعم الدول الأكثر تضررا والنامية منها في مكافحة الأوبئة والانتعاش الاقتصادي، وإقامة آليات تعاون متعددة للوقاية من الوباء ومكافحته.  كما أكدت الصين مواصلة توسيع دخول السوق وفتح قطاع الخدمات بها، ودعم استقرار الاستثمار الأجنبي وسط تفشي فيروس كورونا الجديد، من خلال العديد من التدابير والحوافز التي أعلن عنها وزير التجارة الصيني تشونغ شان، والتي "تخلق بيئة وسوق تنافسية هامة أمام كل المستثمرين الأجانب"، وهو ما سيعزز أكثر دور القاطرة الاقتصادية الصينية في إدارة النظام الاقتصادي العالمي في المستقبل، فتعافي الاقتصاد الصيني بصفة مبكرة بعد أزمة كورونا، له تأثير كبير على انتعاش الاقتصاد العالمي رغم كل التحديات، لذلك أعتقد أنه يجب على بقية دول العالم مراجعة المفاهيم والمبادرات الصينية على غرار مبادرة "الحزام والطريق" والاستجابة لها بصفة أكبر في المستقبل لكي يكون الاقتصاد العالمي متكامل ويمكنه المقاومة أكثر تجاه انتكاسات مفاجئة.



*  خبيرة تونسية في الشأن الصيني

 


 


   يمكنكم مشاركتنا بتعليقاتكم عبر فيسبوك و تويتر
تحميل تطبيق شبكة الصين

 
انقلها الى... :
China Internet Information Center E-mail: webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-88828000
京ICP证 040089号 京公网安备110108006329号