الصفحة الأولى | اطبع | أرسل لصديق | أضف إلى المفضلة | اتصل بنا | حجم الخط    أ أ أ

الصين: نموذج وقدوة


بقلم رجب البنا رئيس تحرير مجلية ((أكتوبر)) المصرية سابقا

زرت الصين أربع مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، ولم أستطع أن أكتم دهشتي في كل مرة مما أراه. في كل زيارة كنت أجد الصين تخطو خطوات واسعة، بل تقفز قفزا وكل شيء تقريبا يتغير بسرعة عجيبة بحيث أصبحت الصين اليوم مختلفة تمام الاختلاف عما كانت عليه منذ ثلاثين عاما. لقد أصبحت الصين قوة عالمية معترفا بها، وأصبحت لاعبا رئيسيا في الساحة الدولية.

وقصة تطورها الصاروخي قصة مثيرة مليئة بالدروس لكل الدول التي تريد أن تتخلص من آثار الاستعمار والتخلف، وتجاوز حدود الدولة النامية لتصبح في عداد الدول الكبرى.

في زيارتي الأخيرة عام 2001 وجدت أن العاصمة بكين وكأنها في سباق مع الزمن استعدادا لاستقبال الملايين الذين سيتوافدون إليها بعد 7 سنوات في عام 2008 للاشتراك ولمتابعة دورة الألعاب الأولمبية. ووجدت مطار بكين وقد أعيد بناؤه فأصبح ينافس أكبر المطارات العالمية، ووجدت الأبراج العالية تم بناؤها في وقت قياسي والطرقات الرئيسية ازداد اتساعها، ومساحات هائلة زرعت بالأشجار والحدائق. باختصار رأيت بكين مدينة أخرى غير التي أعرفها، 40%من مساحتها أصبحت مساحات خضراء تلمس فيها الجمال والنظافة.

وقال لي الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق (وكنا معا مشتركين في مؤتمر "الصين والعالم في القرن الحادي والعشرين" ) إن ما لفت نظره أن المهندسين الصينيين نجحوا في إضفاء الطابع الصيني النموذجي على ناطحات السحاب، خلافا لما نلاحظه في جميع العواصم الكبرى، وإنه معجب بما رآه من أن رجال الشرطة وسائقي السيارات والعاملين في المقاهي جميعهم يلبسون القفازات البيضاء وهذا- في رأيه- ما لم يره في دول أوروبا ولا في الولايات المتحدة وطبعا لم يره في أية دولة من دول العالم الثالث.

وكان مؤتمر "الصين والعالم في القرن الحادي والعشرين" الذي كنت ضمن أعضاء الوفد المصري الذي كان يرأسه الدكتور بطرس غالي ويضم الدكتور نعمان جلال، سفير مصر النشط الذي يجيد اللغة الصينية وله علاقات واسعة واهتمامات كبيرة بثقافة وتاريخ الصين، ولا يزال حتى اليوم على صلة بكثير من أصدقائه في الصين. وكان هذا المؤتمر فرصة للقاء شخصيات عالمية مثل زبجينو يريجنسكي، الخبير الأمريكي في الاستراتيجية وأحد مندوبي معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، وهلموت كول، الذي شغل منصب مستشار ألمانيا لفترة طويلة، وغيرهما من الشخصيات الصينية السياسية والاقتصادية والأكاديمية.

وكان رأى الدكتور غالي أن الصين تزعج العالم الغربي لأنها تنتزع منه مكانته المركزية التاريخية، وتؤثر في الإيرادات التي تؤمنها له مكانته وموقعه، وأن الصين تعمل بمبدأ التحلي بالصبر ولا تبدو في عجلة من أمرها لاحتلال مكانها للعب الدور الأول على مستوى العالم، ولكنها تتقدم إلى ذلك بهدوء وصبر. وعلى الرغم من تعميمها الاستراتيجي على إعطاء الأولوية للسياسة الداخلية على السياسة الخارجية، فإنها تؤثر في النظام السياسي والاقتصادي العالمي، خاصة بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.

ولخص الدكتور بطرس غالي توجهات الصين الخارجية التي تبلورت خلال السنوات الثلاثين الماضية في ست نقاط، أهمها أن السياسة الخارجية للصين القائمة على العمل دائما على حفظ السلام والأمن هي سياسة تخدم تركيز الصين على التنمية. وإن كان من رأى الدكتور غالي أن السلام في العالم يتطلب مفهوما جديدا للأمن ولا يتفق ذلك مع السلام المفروض بالهيمنة، كما تريد الولايات المتحدة في سعيها لإقامة إمبراطورية وفرض نفوذها وسيطرتها بالقوة. وإذا كانت الصين تعمل على أن تكون العلاقات الدولية قائمة على أساس جديد وفقا لمبدأ سيادة القانون، فإن ذلك يتطلب نشر مبدأ تعدد الأقطاب بدلا من المساعي الأمريكية لفرض قيادة قطب واحد للعالم. كما أن الصين تعمل على إقرار مبدأ الاحترام لسيادة الدولة القومية ورفض التدخل في الشئون الداخلية للدول، وهذا المبدأ يتعارض مع مفهوم حق التدخل الإنساني الذي تحاول الولايات المتحدة أن تفرضه على الدول لتعطى لنفسها الحق في التدخل في شؤونها الداخلية بحجة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، بينما تريد في الحقيقة أن يكون لها نفوذ وحق في توجيه السياسات الداخلية للدول.

يلفت النظر في مسيرة الصين في السنوات الثلاثين الأخيرة، ما تحقق من نجاح كبير لعملية الإصلاح الاقتصادي وبخاصة منذ عام 1978، فقد كانت التجربة الصينية في الإصلاح الاقتصادي نموذجا متفردا للإصلاح المتدرج في الدول النامية، حققت فيه المعادلة الصعبة بين الانفتاح على الغرب والمحافظة على الطابع القومي والثقافة القومية والشخصية القومية، فلم يحدث ذوبان الشخصية القومية الصينية فيما يدعى العولمة، وفي نفس الوقت نجحت في حل المعادلة الصعبة بين آليات السوق والنظام الاشتراكي ذي الخصائص الصينية.

وفي كل مناسبة أتحدث عن انبهاري بما رأيته في مدينة شنتشن التي كانت قرية صغيرة من قرى الصيادين وأصبحت اليوم قلعة من قلاع الصناعات التكنولوجية المتفوقة، أو ما شاهدته وسمعته عن مشروع منطقة بودونغ في شرقي شانغهاى التي أصبحت أولى المناطق العالمية جذبا للاستثمار الأجنبي، وتتمتع بسمعة عالية على المستويين الاقتصادي والتجاري. وهناك أمثلة كثيرة تجدها في كل مكان في الصين مما جعل العالم يتحدث عن "المعجزة الصينية". ودائما أقول إن الصين هي النموذج والقدوة لكل دولة تريد أن تقفز من الصفوف الخلفية إلى الصف الأول.

واعتقادي أن المعجزة في الصين هي "الإنسان الصيني" الذي يحمل في وجدانه وتكوينه حضارة عمرها آلاف السنين، ويعرف قيمة الوقت والانضباط والجدية في العمل، فالإنسان الصيني يدهش العالم بما يتميز به من الجلد والصبر والدقة والقدرة علي تحقيق الكمال. ولا أستطيع أن أنسى الدقة الشديدة في المواعيد، فقد سارت برامج زياراتي الأربع بالضبط دون تأخير أو تقديم ولو دقيقة واحدة، وهذه فيما اعتقد أسرار التقدم المذهل الذي حققه الشعب الصيني.

خلال السنوات الثلاثين الماضية عملت القيادة الصينية بإخلاص ودأب على تحقيق الأهداف والبرامج التي تقررها مؤتمرات الحزب، وبذلك فإن الإنجازات أكبر من القدرة على حصرها.

لقد نجحت الصين في تحقيق ما يراه العالم معجزة، وفي ثلاثين عاما فقط أنجزت ما لم ينجزه غيرها في قرون!

 

شبكة الصين /27 أكتوبر 2008/





تعليق
مجموع التعليقات : 0
مجهول الاسم :