الصفحة الأولى | اطبع | أرسل لصديق | أضف إلى المفضلة | اتصل بنا | حجم الخط    أ أ أ

صحيفة اللواء اللبنانية :الاقتصاد الصيني يلتهم العالم


في 3 ديسمبر 2010 نشرت صحيفة اللواء اللبنانية مقالا لد. ماجد منيمنة، الخبير المالي والمحلل الاقتصادي، أكد الكاتب في مقاله: "الاقتصاد الصيني يلتهم العالم" أن الخطة التي وضعتها الحكومة الصينية لمواجهة الأزمة قدمت خدمة كبرى ليس لاقتصادها وشعبها فحسب بل للاقتصاد العالمي أيضا والذي ليس بمقدوره تحمل أعباء انهيار اقتصادي أو مالي صيني بعد الذي جرى في الولايات المتحدة• فالسوق الصيني الهائل لا يزال يمثل فرصاً عظيمة للصناعيين الغربيين: 

ماجد منيمنة * خبير مالي ومحلل اقتصادي * دكتوراه في المالية الدولية

لم تخيب الصين أمل المتابعين لنهضتها والمعجبين بتقدمها المستمر منذ بداية انتهاجها طريق الإصلاح الاقتصادي، فجاءت النتائج الاقتصادية الأخيرة لتؤكد أنها حريصة على مواصلة الطريق وتجنب العثرات التي تهدد بالتأثير السلبي عليه. ومنذ أن تبوأت الولايات المتحدة مركز القوة الاقتصادية الأعظم بات مال الاقتصاد العالمي كله مرتبطاً بتطور المؤشرات المتعلقة بقطاعاتها الاقتصادية والمالية. ومن المعروف أن الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت العالم انطلقت من الولايات المتحدة التي لا تزال صحة الاقتصاد العالمي مرتبطة إلى حد كبير بعافيتها الاقتصادية. لكن يبدو أن هذا الوضع يتجه نحو التغير ليدخل العالم في مرحلة انتقالية تمهد لحلول قوة أو قوى اقتصادية جديدة تتحكم في مستقبل الاقتصاد العالمي أو تمارس فيه التأثير الأعظم على الأقل. والصين هي من أقوى المرشحين في هذا المجال.

فقد اعتاد المراقبون الاقتصاديون العالميون على الصعود الصيني المستمر ونسبة النمو التي لا تقل عن 8% سنوياً على الأقل والتي وصلت إلى 12% مؤخراً، كما ان الأرقام الاقتصادية المتصاعدة للصادرات وأرباح الشركات الصينية تؤكد هذا الأمر. لكن المفاجئ ان يستمر هذا الوضع رغم الأزمة، العنيفة التي ضربت كافة الاقتصاديات الدولية مؤخراً. فالأرقام تدل على أن الشركات الصينية حققت 380 مليار دولار من الأرباح الصافية في العام القريب المنصرم الذي شهد إفلاس شركات أميركية وغربية كبرى، والخسائر المعلنة التي تكبدتها شركات معروفة عالمياً. ليس فقط تمكنت الشركات الصينية من الصمود في وجه رياح الأزمة العاتية بل إن أرباحها زادت عما كانت عليه قبل الأزمة، أي بمعنى آخر عرفت كيف تستفيد من هذه الأخيرة. ومن المؤكد أن تستولي الصين، في خلال العام الجاري، على المركز الأول في لائحة الدول المصدرة في العالم، وهو المركز الذي انفردت به ألمانيا طيلة العقد الفائت، وأن تمسي الولايات المتحدة في المركز الثالث بعد ألمانيا.

لقد أثمرت الخطة التي وضعتها الحكومة الصينية لمواجهة الأزمة، بضخ 1300 مليار دولار في الدورة الاقتصادية وقدمت تسهيلات جديدة في مجالات الاستثمار والتسليفات، كما أبقت على القيمة المنخفضة لعملتها رغم كل الانتقادات الغربية والأميركية على وجه التحديد. وحتى اللحظة يمكن القول إنها قدمت بذلك خدمة كبرى ليس لاقتصادها وشعبها فحسب بل للاقتصاد العالمي أيضا والذي ليس بمقدوره تحمل أعباء انهيار اقتصادي أو مالي صيني بعد الذي جرى في الولايات المتحدة. فالسوق الصيني الهائل لا يزال يمثل فرصاً عظيمة للصناعيين الغربيين، كما أن المصانع الصينية تسمح لهم بإنتاج بضائعهم بأسعار منخفضة، دون أن ننسى أن الكم الهائل من العملات الصعبة التي راكمتها الصين يسمح لها بشراء سندات ستصدرها الدول الصناعية الكبرى تباعاً في هذا العام الجاري بغية تمويل ديونها الناتجة عن الأزمة وخطط مواجهتها. هذه الدول تحتاج إلى الصين للخروج من أزمتها، كما أن للصين مصلحة في مساعدتها على تخطي هذه الأزمة في زمن العولمة وارتباط اقتصاديات الدول ببعضها بعضاً.

لكن للعملة وجه آخر، ففي الاقتصاد لا تكون الصور عادة على هذا القدر من المثالية والزهو. فهذا المحرك الاقتصادي الصيني العظيم يضع العالم في نوع من التبعية والارتباط، الذي وإن كان ضرورياً ومفيداً في المدى المنظور إلا أنه يحمل مخاطر شتى على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال يعتبر المراقبون الغربيون أن السعر المنخفض للعملة الصينية، والذي تستخدمه بكين كسلاح اقتصادي قاطع، قد يؤدي إلى فوضى نقدية وتجارية في المدى البعيد. ثم إن تضخيم حجم التسليفات المصرفية في الصين يحمل مخاطر ما يسمى بالفقاعة المالية على غرار ما جرى في اليابان في العام 1990 والتي عجزت عن تخطي نتائجه السلبية كل الحكومات اليابانية المتعاقبة إلى اليوم.

هؤلاء يطلبون من حكومة بكين أن تعمل بسرعة على القيام بكل ما من شأنه منع هذه الفقاعة المالية من التشكل ثم الانفجار، وذلك عبر إجراءات من أهمها رفع سعر العملة، الأمر الذي ترفضه هذه الحكومة رغم كل الضغوط. وسبب الرفض هو أن المشكلة بالنسبة للصين هي في كيفية القيام بمثل هذه الإجراءات من دون إعاقة نموها الذي ينبغي ألا يتراجع عن 8% سنوياً، علماً أن هذه النسبة أضحت ضرورية أيضا للاقتصاد العالمي نفسه. والجميع اليوم يتكلم عن الثنائية العالمية ومجموعة الاثنين أي واشنطن وبكين، ويراقبون باهتمام كبير لقاءات أوباما مع جين تاو في المؤتمرات الدولية الكبرى ويشعرون بالقلق لدى أي تدهور ولو ظرفي للعلاقة بين الجبارين بمناسبة بيع واشنطن أسلحة لتايوان أو استقبالها الدالي لاما على سبيل المثال أو رفض بكين إصدار عقوبات ضد طهران في مجلس الأمن الدولي.

على الاقتصاد الصيني أن يتعلم كيف يتعاطى مع الكابح والمسرع بتوازن ودقة كي لا تجنح سيارته فيجنح معها العالم بأسره. هذا ما يتمناه الاقتصاديون العالميون الذين يبدو أنهم باتوا مقتنعين بأن مستقبل الاقتصاد العالمي سيقبع قريباً في الصين بعدما سكن الولايات المتحدة في القرن المنصرم، ليبقى الاقتصاد الصيني، هو العملاق الذي يلتهم العالم.

 

شبكة الصين / 4 يناير 2011 /





تعليق
مجموع التعليقات : 0
مجهول الاسم :