ثقافة

اقتصاد

دوليات

محليات

الآنسة ليل توفيق دوسا

ذهبت اليوم مع السيد جلال وزوجته منى إلى مدرسة تسمى مدينة تحسن الصحة بالأهرام، جلال ومنى متطوعان ليدرسا الرسم والنقش على النحاس كل الأحد منذ عدة سنوات.

هذه المدرسة مدرسة خيرية خاصة، التلاميذ فيها إما يتامي وإما أن يكون أولياء أمورهم مصابين بالأمراض عاجزين عن الاهتمام بهم، تأتي أموال المدرسة من تبرعات الأثرياء ويوجد كثير من المدرسين والعمال المتطوعين مثل جلال ومنى.

وقع المدرسة في الجيزة بالقاهرة، يمكن مشاهدة الجزء الأعلى لبعض الأهرامات في الملعب بالمدرسة التي ليست بعيدة جدة عن جامعة القاهرة ولكن يستغرق ذهاب جلال إلى المدرسة بالسيارة أكثر من ساعتين.

المدرسة واسعة تشمل حجرات درس ومساكن ومغسلا للملابس ومطعما ومنطقة تسلية للأطفال، ومكاتب للمدرسين والعاملين جانب سور المدرسة، ووسط المدرسة عدة ملاعب رياضية وقطة جميلة من الأراضي الخضراء، قال جلال أن هناك حديقة بالمدرسة تزرع فيها أشجار التمر والليمون.

مساكن التلاميذ واسعة، أسرتهم مرتبة ونظيفة، فيها مراوح كهربائية وحمامات، أفضل من المساكن في جامعة بكين الصينية وجامعة القاهرة.

بعد دخولنا منطقة الأطفال الصغار رأينا بضعة عشر طفلا تتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات يشاهدون فيلما كارتونيا، بجانبهم صفوف من الأسرة الصغيرة، فمساكنهم نظيفة ومرتبة مثل مساكن الأطفال الكبار. بجانب هذه المساكن قاعة كبيرة للتسلية، تعلق كثير من اللوحات لتعليم القراءة على جدرانها، تكتب اللغة الكلمات العربية والإنجليزية معا على هذه اللوحات. قالت منى إن كل اللوحات جمعتها ونظمتها الآنسة ليل

دخلت مع جلال حجرة الدرس فرأيت خمسين أو ستين طفلا يأخذون درسا، تتراوح أعمارهم بين 7 سنوات و14 سنة. بعد أن رأت الكتب المدرسية باللغة الإنجليزية سألت منى هل هؤلاء التلاميذ يتعلمون الإنجليزية أيضا؟ قالت: نعم، تعلمهم الآنسة ليل اللغة الإنجليزية.

إذن لابد أن تكون الآنسة ليل فتاة شابة مفعمة بالحيوية لأنها عملت كثيرا كثيرا لهذه المدرسة.

غير أنني أخطأت.. بعد عدة دقائق رأيت الآنسة ليل التي تنظم لوحات تعليم القراءة في مكتبها.. أوه، أنها عجوز شاب شعرها وتجعدت بشرتها، أكبر من جدتي. بعد تبادلنا التحيات سألتني الآنسة ليل: هل أنت يابانية؟ قلت إنني صينية. ولكنها أدهشتني مرة أخرى إذ قالت أنها زارت الصين في خمسينيات القرن الماضي، وقابلت الرئيس ماو تسي تونغ ورئيس مجلس الدولة شو ان لاي الراحلين.

إذن من الأكيد أنها ليست من الشخصيات العادية، ربما تولت منصبا حكوميا هاما في الماضي!

لكن جلال أنكر فكرتي، إذ قال إن والدها كان وزيرا للزراعة والمواصلات في عهد الملك فؤاد، لذلك زارت دولا كثيرة في العالم، من ضمنها الصين وذلك بدعوة من الحكومة الصينية في أكتوبر سنة 1958.

آه، فهمت!

ثم عرفت مزيدا عن المعلومات حول الآنسة ليل من جلال: عمرها 86 عاما، هي مسيحية، تلقت التعليم الممتاز، تتقن الإنجليزية والفرنسية وتفهم الألمانية .أنشأت مع 6 زميلات أخرى الجمعية النسائية لتحسن الصحة في سنة 1936 و بنوا هذه المدينة على أرض كانت معسكرا للجيش الإنجليزي في سنة 1947، وعملت لها أكثر من نصف القرن.

دخل التلاميذ المدرسة ثم تخرجوا فيها، لكن الآنسة ليل تعمل فيها دائما.

في المساء زرت الآنسة ليل في بيتها بالمدينة حيث تمكث فيها 4 أيام في الأسبوع . مع أنها من عائلة ثرية ، لكن بيتها بسيط جدا: حجرة نوم واحدة، صالة واحدة، مطبخ واحد، ويركب توليت جهاز دوش في المطبخ.

والصالة بسيطة أيضا: رفان للكتب، مائدة للطعام، عديد من المقاعد الناعمة. تعرض على رفي الكتب أصداف بحرية كبيرة، والمرجان الملون وبعض ألبومات الصور الجميلة. والشيء الذي يدهشني أنني رأيت جهاز كمبيوتر بين الرفين للكتب، وبجانبه كتب حول الكمبيوتر.

قال جلال إن الآنسة ليل تحب التعلم، إذ أنها دخلت الجامعة الأمريكية بالقاهرة في عمر ال 65 وحصلت على بكلريوس وماجستير في الأدب المقارن و بدأت تعلم استخدام الكمبيوتر قبل عدة سنوات، فهي دائما تقرأ الأخبار على الانترنت وتستخدم البريد الإلكتروني.

يبد أنها تحب الأشياء الجديدة، فاريناها أنا وزميلتي فوزية جهازي الكاميرا الرقمي اللذين نمتلكهما كل على حدة، فتستغرب كثيرا وطرحت أسئلة كثيرة، أعتقد أنها ستشتري واحدا في المستقبل القريب.

إنه لمن المتعة أن نتجاذب أطراف الحديث مع الآنسة ليل، مع أن عمرها 86 عاما، لكنها عقلها سليم ولسانها واضح.. تحدثت معنا حول رحلتها إلى سيناء وإقامتها في خيمة، وصيد الأسماك من البحر وشويتها للأكل.. رحلتها في الصحراء بغربي مصر، وقالت إن الصحراء هناك بالألوان البيضاء والسوداء والحمراء.. مما جعلنا نتطلع إلى رحلة إلى الصحراء.

عند توديعنا للآنسة ليل، تبادلنا عناويننا للبريد الإلكتروني.

في طرق عودتنا قال جلال إن الآنسة ليل هي نفسها علمته وزوجته كيف يحبان الناس مهما كانت معتقداتهم الدينية وجنسياتهم.

اعتقد أن ما علمته الآنسة ليل للناس ليس هذا فقط.

شبكة الصين(سون يوان أر)