البحار الكبير تشنغ خه  

في أوائل القرن الخامس عشر مخر عباب المحيط الهادي الغربي والمحيط الهندي أسطول صيني ضخم C أكبر أسطول بحري في العالم وقتذاك. وكان قائده تشنغ خه، أعظم البحارة في تاريخ الصين. وإذا قارنا بين تشنغ خه والبحارة الآخرين في التاريخ، وجدنا ان نشاطات تشنغ خه في الملاحة أبكر بنصف قرن من كشف كريستوفر كولومبوس الإيطالي للعالم الجديد وكشف فاسكو دي غاما البرتغالي الطريق البحري الجديد من أوربا إلي آسيا مرورا برأس الرجاء الصالح ورحلة ماجيلان البرتغالي إلي جزر الفيليبين عبر المحيط الهادي. كانت رحلات تشنغ خه هادفة إلي السعي وراء السلم والتجارة وإقامة العلاقات الدبلوماسية والتبادل الثقافي بين الصين والبلدان الأخرى لا إلي شن الحروب العدوانية أو ممارسة الهيمنة.

ولد تشنغ خه عام 1371 في أسرة مسلمة فقيرة تدعى "ما" من قومية هوي، بمقاطعة يوننان في جنوبي الصين. وكان اسمه الأصلي ما سان باو. وجدير بالذكر ان جده ووالده قد سافرا إلي مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. ولما بلغ الثانية عشرة من عمره اختطفه جيش أسرة مينغ الذي انتصر على وحدة جيش أسرة يوان المرابطة بيوننان. فصار خصيا في حاشية تشو دي، أمير يان.

وكان الخصيان من ادني الفئات مكانة في المجتمع الإقطاعي الصيني. ولكن مع نمو تشنغ خه  كشف الأمير تشو دى تدريجيا ذكاءه وشجاعته وكفاءته.فلم تمض عدة سنوات حتى صار أحد تابعيه المهمين، ومنحه امسا جديدا: تشنغ خه.

واعتلى الأمير تشو دي العرش عام 1403، فأرسل الإمبراطور تشو دي تشنغ خه رسولا له إلى البلدان الواقعة في غرب بلاد برونى وعلى سواحل المحيط الهندي منذ عام 1405 لإظهار جبروت جيشه وقوة بلاده وغناه.

قام تشنغ خه  بالاستعدادات الكاملة لرحلته البحرية فور تلقيه الأمر من الإمبراطور، فبعث رجاله إلي نانجينغ وجيانغسو وتشجيانغ وفوجيان وجيانغشي وهوقوانغ للإشراف على صنع سفن مختلفة الأصناف، منها سفن للبضائع والمجوهرات، وأكبرها بطول 150 مترا وعرض 60 مترا وبحمولة 1000 طن، وسفن للخيول، وسفن للمؤن، وسفن للجنود، وسفن حربية. وحشد في الوقت نفسه عددا كبيرا من المتخصصين في الملاحة البحرية من مختلف أنحاء البلاد.

وفي عام 1405 قاد تشنغ خه طاقما ضخما يتكون من 27800 رجلا، منهم الجنود والضباط، ومديرو الدفة والملاحون والمترجمون والكتاب والعلماء في الرياضيات والأطباء وصانعو السفن والطباخون وغيرهم ليركبوا 62 سفينة للبضائع والمجوهرات و700 سفينة للخيول و240 سفينة للمؤن و300 سفينة للجنود و100 سفينة حربية، ومنهم كميات هائلة من المنسوجات الحريرية والأدوات الخزفية والحديدية والأقمشة وغير ذلك. وانطلق أسطول تشنغ خه من ميناء ليوجيا القريب من مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو، وشق عباب نهر اليانغتسي ليخرج من مصبه، ثم اتجه إلى سواحل البحر الشرقي جنوبا. فبدأ تشنغ خه رحلته الأولى في المحيط الهادي الجنوبي والمحيط الهندي. ووصل هذا الأسطول الضخم بقيادة تشنغ خه إلى تشانتشنغ (جنوبي فيتنام) أولا فجاوة وجيوقانغ وسومطرة (في إندونيسيا) ومالابار وكولي (على ساحل الهند الغربي) وسيلان وغيرها. ولم تكن رحلة تشنغ خه البحرية سهلة، فقد تعرضت سفنه حين مرت بجيوقانغ لغارة شنها القرصان تشن تسو يي الذي هجر قوانغدونغ مسقط رأسه إلى جيوقانغ، حيث جمع عصابة من القراصنة تهدد أمن السفن التجارية. وحاول اختطاف سفن تشنغ خه المشحونة بالبضائع والمجوهرات الثمينة، فهزمه تشنغ خه وقبض عليه وعاد به إلى الصين. وفي أكتوبر 1407 رجع تشنغ خه بسفنه إلى الصين مع كثير من الرسل الأجانب في أمن وسلامة، فأكرمهم الإمبراطور تشو دي واحتفى بهم حفاوة بالغة.

وبعد ذلك سافر تشنغ خه رسولا في ست رحلات بحرية أخرى. وقد استغرقت رحلاته السبع هذه 28 سنة، وصل خلالها بأسطوله البحري إلى جزيرة جاوة جنوبا والخليج الفارسي (الخليج العربي) والبحر الأحمر ومكة المكرمة شمالا، وجزيرة تايوان شرقا، والسواحل الشرقية لافريقيا غربا التي تقع في جنوب خط الاستواء. كان تشنغ خه أول من شق عباب مجري الملاحة من الصين إلى شرقي إفريقيا، كما كان رائدا في تاريخ الملاحة العالمية. وجدير بالذكر ان خريطة الملاحة التي وضعها تشنغ خه كان لها أهميتها في الدراسات الصينية الجغرافية. كان تشنغ خه كلما وصل إلى دولة يقابل ملكها أو حاكمها بوصفه رسولا لأسرة مينغ، ويقدم إليه هدايا باسم الإمبراطور الصيني، ويبدي رغبة صادقة في إقامة علاقات رسمية بين البلدين وتطوير الصداقة بينهما. وقد وفد كثير من رؤساء وملوك ورسل الدول التي زارها إلي الصين في زيارات رسمية. وبفضل ذلك أقيمت علاقات دبلوماسية وتجارية بين الصين وهذه الدول. كما هاجر الصينيون بأعداد متزايدة إلى جنوب شرقي آسيا حيث أسهموا في البناء والتنمية بفنونهم الإنتاجية المتقدمة.

لقد ترك البحار تشنغ خه برحلاته انطباعا عميقا وتأثيرا بالغا في نفوس أبناء الشعب الصيني والشعوب الآسيوية مستمرا إلى يومنا هذا. ففي تلك المناطق التي وصل إليها كثير من الحكايات عنه وكثير من الآثار التذكارية له، نذكر منها علي سبيل المثال صخور سان باو بمحافظة تشانغله من مقاطعة فوجيان في الصين، وجزر تشنغ خه من جزر شيشا، وزنجبيل سان باو في تايوان، فهذه الأسماء كلها جاءت تقديرا لفضل تشنغ خه في تنمية الملاحة البحرية. وفي إندونيسيا مدينتا سان باو دونغ وسان باو بالاضافة إلى مدينة سان باو لونغ، وفي تايلاند ميناء سان باو ومعبد سان باو، وفي ماليزيا مدينة سان باو وبئر سان باو، وكل ذلك تذكر لزيارة تشنغ خه لها.

وقد اعتكف تشنغ خه في جينغهاي عند اسفل جبل شيتسي بمدينة نانجينغ في سنواته الأخيرة،

وتوفي عام 1435 وهو في الخامسة والستين من العمر.